صلى الله عليه وسلم
عمل عملا على وجه خاص فأفتى في ذلك، ويكون الآخر لم يره فيفتي برأي آخر، وأيا ما كان فقد كان اجتهادهم ساذجا بسيطا، ليس فيه تعقيد كذلك الذي نشأ عن علم أصول الفقه، وليس فيه فرض فروض لما لم يحدث، كالذي فعله الحنفية فيما بعد، وعلى العكس من ذلك كان المالكية؛ فقد كانوا لا يفتون إلا فيما وقع من أحداث ، فلما جاء الفقهاء العراقيون فيما بعد عقدوا الأمور، وجعلوا لها أصولا، وفرضوا الفروض، وتخيلوا الخيالات، وكثر بينهم الاختلاف، ومنهم من صح عنده الحديث، ومنهم من لم يصح، وقد كان تفرق الصحابة والتابعين في الأمصار المختلفة كبيرا، وكل طائفة تحمل إلى المصر الذي نزلت فيه ما سمعته من الأحاديث، أو ما رأت من الأحداث، فكان مصر يعرف حديثا لا يعرفه مصر آخر وهكذا، ولهذا زاد الاختلاف ولكل عذره.
ومن أسباب الخلاف أيضا أن بعض الفقهاء يكثرون من الحديث، ويعتمدون عليه كل الاعتماد، ولا يرون للرأي ولا للقياس قيمة، وقسم يقل من الحديث، ويشترط فيه شروطا قاسية كالذي فعل أبو حنيفة. واعتمد فيما وراء الكتاب والسنة على الرأي والقياس وهكذا. ولكن على العموم كانت هناك ظاهرة طيبة وهي حسن ظن كل مجتهد بالآخرين، ولكن خلف من بعدهم خلف تعصب فيه كل ذي مذهب لمذهبه، ثم اشتد النزاع حتى سفكت الدماء، وخربت بعض البلدان من جراء ذلك كالذي كان بين الحنفية والشافعية، وكثيرا ما يقول ياقوت في معجمه: «إن بلدة كذا خربت بسبب الخلاف بين الشافعية والحنفية.» وبالأمس قرأت في كتاب الهوامل لأبي حيان التوحيدي من أعيان القرن الرابع - أي قبل إغلاق باب الاجتهاد - سؤالا في هذا الموضوع وجهه لمسكويه، يقول فيه: «لماذا كان أحد الفقهاء يقضي في مسألة بحلها بينما يقضي فقيه آخر بحرمتها؟» فأجابه مسكويه بأن ذلك قد يكون لاختلاف الزمان والمكان؛ فقد يكون الشيء حلالا في زمن وفي مكان حراما في آخر، وأجاب إجابة بديعة، وهي أن الاجتهاد قد يكون مطلوبا لذاته؛ أي أن يكون غاية لا وسيلة؛ فإن الاجتهاد يمرن العقل، ويكسب التجربة كالاجتهاد في حل النظريات والتمرينات الهندسية، فلو أن ملكا لعب بالكرة والصولجان سواء نجح في اللعب أو أخفق فقد نجح في تمرين أعضائه. وكالحكيم يأمر بدفن شيء ثم يأمر بالبحث عنه نظير مكافأة. وسواء وجد أم لم يوجد فقد حصلت الغاية. والفقهاء أنفسهم اختلفوا في هذا الاجتهاد؛ فمنهم من اكتفى بالاجتهاد في المذهب أو المذاهب، ومنهم من أجاز الاجتهاد المطلق محتجا بأنه لا معنى للنسخ في القرآن إلا هذا فآية تنسخ آية لتغير حكمها حسب الزمان والمكان.
وقد سأل أبو حيان مسكويه سؤالا آخر، وهو: هل الأحكام الشرعية متفقة مع مصالح العباد لا تخرج عنها؟ فأجابه مسكويه بالإيجاب وخصوصا في المعاملات؛ فإذا تبين أن نوعا من المعاملات لا يحقق مصلحة العباد في وقت من الأوقات أجاز الاجتهاد تغيير الحكم. ومصالح العباد كلمة تشتمل المحافظة على النفس والدين والمال كما نص على ذلك الشاطبي في الموافقات، وهذا واضح كل الوضوح في المعاملات المدنية، أما في العبادات فوجب أن نفعل بما أمر الله به إذا لم نفهم علته ما دام رضاء الله في ذلك، كما قال علي بن أبى طالب لو كان الدين بالعقل لكان المسح على باطن الخفين خيرا من المسح على ظاهرهما، أما إذا نص على العلة فيها؛ فإن الحكم يدور معها وجودا وعدما.
وقد كان الإسلام مرنا بتشريعه نظرية التجديد؛ ذلك أن البشر في تغير مستمر؛ فقد بشر النبي بأن الله يبعث بعد عصر النبوة مجددين مصلحين، يرثون الأنبياء بالدعوة إلى إصلاح ما أفسده الظالمون، ويكونون حجة الله على الخلق، وقد بشر النبى بأن الله - تعالى - يبعث في الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها، وكان المجددون يبعثون بحسب الحاجة إلى التجديد، فكان الإمام عمر بن عبد العزيز مجددا في القرن الثاني لما بلي بنو أمية وأخلقوا، وما مزقوا بالشقاق وفرقوا. وكان الإمام أحمد بن حنبل مجددا في القرن الثالث لما أخلق بعض بني العباس من لباس السنة باتباع ما تشابه من الكتاب؛ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وقالوا كان الأشعري مجددا في القرن الرابع بهذا المعنى، والغزالي مجددا في أواخر القرن الرابع وأول الخامس لما بزغت نزغات الفلاسفة وزندقة الباطنية، وكان ابن حزم مجددا في القرن السادس لما طغت الآراء على النصوص الشعرية، وكان ابن تيمية وابن القيم مجددين في آخر القرن السابع وأول الثامن لما مزقت البدع الفلسفية والكلامية والتصوفية والإلحادية تعاليم الإسلام، ثم ظهر مجددون آخرون في كل قرن، وكان تجديدهم منحصرا في قطر أو شعب؛ كالشاطبي صاحب الموافقات والاعتصام بالكتاب والسنة بالأندلس، وولي الله الدهلوي، والسيد محمد صديق خان في الهند، والمولى محمد بن بير علي البركوي في الترك، ومحمد بن عبد الوهاب في نجد، والشوكاني في اليمن. وقد كان المجددون أنواعا؛ منهم المجدد في العقائد الدينية، والمجدد في الأمور الحربية، والمجدد في الأمور السياسية كدعوة الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده إلى الجامعة العربية. والسر في التجديد أن العوامل الطبيعية والاجتماعية والسياسية تتغير كلما تغير الزمان، بل المسائل الاقتصادية من طرق البيع والشراء ونحوهما تتغير كلما تقدمت الإنسانية فلا بد من مواجهة هذه الأمور الجديدة بتشريع جديد، وهذا ما يفعله المجددون في كل زمان، وإلا ركدت الأمور وتعذر السير. والعادات والتقاليد تتغير بين جيل وآخر؛ كالذي نراه في الفروق بيننا وبين أولادنا، وبيننا وبين آبائنا وهذا أمر طبيعي. غاية الأمر أن التغير قد يكون عنيفا كالذي حدث في العصور الأخيرة، فإن المدنية الأوروبية قلبت الأوضاع رأسا على عقب، وقد يكون بطيئا كالفرق بين جيل في العصور الوسطى وجيل آخر. وقد أدرك الفقهاء ذلك وألف ابن عابدين رسالة في العرف والعمل به، وهي رسالة قيمة، كالذي قال: إنه في عصر من العصور كانت رؤية غرفة واحدة في البيت كافية لسقوط خيار الرؤية ممن رأى. فلما بنيت البيوت في المدنية الحديثة مختلفة الغرف كانت رؤية غرفة واحدة لا تسقط خيار الرؤية وأمثال ذلك كثيرة. وقد اضطر الشيخ محمد عبده أن يواجه مشاكل جديدة كان يستفتى فيها، ويضطر للإجابة عنها، كلبس البرنيطة، وأكل ذبائح أهل الكتاب، والتأمين على الحياة، وإيداع المال في صناديق التوفير، ونحو ذلك مما لم يكن معروفا قبل زمنه، وهكذا لكل عصر مقياس، وكل حدث يحتاج إلى فتوى. بل إن أهل عصر النبي