تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل إن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

نفسه كان بعض تشريعه عن طريق الوحي، وبعضه عن طريق الاجتهاد. غاية الأمر أن اجتهاده كان أقوى؛ لأنه كان أعلم بمقاصد الشريعة ومراميها. ثم اجتهاده على نوعين: نوع يتعلق بالأحكام الكلية وهذه واجب اتباعها، ونوع كان يتعلق بأمور جزئية تتعلق بحادثة لها ظروفها الخاصة من زمان ومكان، فإذا تغيرت الظروف تغير الحكم. ومنها أمور تتعلق بالدنيا، واجتهاد النبي فيها غير ملزم؛ لأنه كسائر القادة واجتهاده لا يتعلق بأمور شرعية، وفي هذا قال

صلى الله عليه وسلم «إنما أنا بشر مثلكم إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر»، وقوله

صلى الله عليه وسلم

لما أمر الناس بأن يتركوا النخل من غير تأبير فلم ينجح: «إنما ظننت ظنا ولا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به؛ فإني لم أكذب على الله»، ومن هذه المسائل مثلا: مسائل الطب، ومسائل الطعام، وما يحبه رسول الله وما لا يحبه من الملابس مثلا، وقد خفي هذا التفريق بين النوعين على كثير من الناس فسووا بينهما، والتزموا بهما، وأمروا الناس بالالتزام بهما على حد سواء، حتى في المسائل الشخصية البحتة؛ كحبه

صلى الله عليه وسلم

للدباء، وكرهه الشخصي لبعض الطعام، حتى لقد روي عن أحمد بن حنبل أنه امتنع عن أكل البطيخ؛ لأنه لم يعرف عن النبي

صلى الله عليه وسلم

كيف كان يقطعه، وهو تزمت شديد، وربما كان الحامل عليه عاطفة الحب لا قوة العقل. فالنبي

صلى الله عليه وسلم

يريد أن يكون اجتهاده هو في أمور الدنيا ليس ملزما للناس، ومن ذلك النظريات العلمية، فإذا كان الناس في زمنه يسلكون مسلكا تبعا لنظرية علمية فإذا تغير الزمان واكتشفت نظرية أخرى أضاءت الحقيقة وجب على الناس أن يعملوا بالنظرية الأخيرة، ويتركوا الأولى، وهذا ينطبق عليه أيضا اجتهاد النبي

صلى الله عليه وسلم

فالعلم الحديث يوضح أن تأبير النخل لا بد منه حتى يحمل، فما لم يؤبر لا يحمل، كما أن المرأة ما لم تلقح لا تحمل، فإذا اجتهد النبي

صلى الله عليه وسلم

وقال إذا تركتم النخل من غير تأبير حمل، فشأن اجتهاده في ذلك كشأن اجتهاد سائر الأفراد، ولم يكن مصدر كلامه وحيا من الله حتى يجب تصديقه؛ ولذلك قال: «إنما هو ظن ظننته وأنتم أعلم بأمور دنياكم.»

وكذلك الشأن في كل ما يتعلق بأمور لباسه

صلى الله عليه وسلم

فقد اتبع في لباسه لباس قومه وتقاليدهم وبيئتهم؛ فليست هذه بملزمة أبدا وهو

صلى الله عليه وسلم

لا يرى أنها ملزمة، فإذا كان يلبس العباءة والقباء، ويحلق شعره، ويلبس العقال، ويركب البعير، فهذه كلها شئون زمانه

صلى الله عليه وسلم

ولا يمنع هو أن يلبس غيره البذلة أو الطربوش أو القبعة إذا كانت عوائد الناس وتقاليدهم تدعو إلى ذلك.

والاجتهاد على العموم في بلد بارد غير الاجتهاد في بلد حار، والاجتهاد للحضريين الذين فشت بينهم نظريات العلم غير الاجتهاد في قوم بدويين لم يتحضروا، أو تحضروا حضارة قليلة؛ ولذلك كانت معاملته

صلى الله عليه وسلم

لسكان البدو غير معاملته لسكان الحضر، ومعاهداته للبدويين غير معاهداته للحضريين؛ لعلمه بالفروق بينهما، فإذا تغير الزمان والمكان تغير طبعا الاجتهاد.

وكان النبي

صلى الله عليه وسلم

أعلم بذلك وأشدهم تطبيقا له، وهو مبدأ سليم، ولولا فساد الزمان، وضيق العقول، لأبدع المسلمون في الاجتهاد أيما إبداع، ولكن لله في خلقه شئون، وما أنت بمسمع من في القبور.

وكذلك اجتهد الصحابة والتابعون فيما عرض لهم من شئون الحياة، واختلفوا في آرائهم، كما اختلف الساسة في سياستهم، والسبب في اختلافهم يرجع إلى أمور، منها: أن بعضهم قد يجتهد برأيه، ولم يبلغه الحديث الذي ورد في المسألة، فيعمل الآخرون بالحديث، ويعمل هو بالرأي فيكون الخلاف. ومنها أن تكون المسألة ذات وجهين، فيقيسها أحد المجتهدين على مسألة، ويقيسها الآخرون على مسألة أخرى، ونحو ذلك، ومنها أن بعضهم يكون قد رأى النبي

يوم الإسلام · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٧٥