تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

وهو عصر واحد وأصحابه جيل واحد كان في زمانهم النسخ فقال الله - تعالى:

ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها .

إن الإسلام يدعو إلى تحرير العقل؛ وكم نعي على العرب الذين لا يستخدمون عقولهم، فلا يفقهون ولا يعقلون، وكم نعي أيضا على العرب تقليدهم لآبائهم وقولهم:

إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ، ومدح معاذ بن جبل في استعماله عقله عند عدم النص، وكم كان يستشير أبا بكر وعمر بن الخطاب في رأيهما ويوازن بين هذه الآراء. ويقول عمر بن الخطاب: «كيف استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.» وكان عمر بن الخطاب كبير العقل راعي غنم، لم يتثقف إلا بالإسلام؛ ومع ذلك استطاع أن يسوس فارس والروم - وهما الأمتان المتحضرتان - سياسة خيرا من سياستهما، وذلك بفضل عقله وفهمه الإسلام الصحيح وكلياته، وكتب الفقه في باب السير والحروب مملوءة بآراء عمر، فلا يمنع الإسلام والعقل من البحث واكتشاف المجهول، والسير وراء العلم وإخضاع الحياة للعلم والعقل إلى آخر حد. ولم يخرج المعتزلة عن الدين بسيرهم سيرا واسعا مع العلم، فكانوا لا يؤمنون بظهور الجن، ويحكمون العقل في الحديث، ويقولون بخلق القرآن، وينكرون الخرافات والأوهام، ومع ذلك فالرأي اتفق على إسلامهم، غاية الأمر أنهم نادوا بأن هناك دائرة للعلم ودائرة أخرى للدين لا يمكن للعلم فيها أن يثبت أو ينفي، لأنه لا قدرة له عليها، فكل مملكة الغيب من ملائكة، وجن، ويوم آخر، ووحي، ونحو ذلك لا يقدر العلم على نفيها أو إثباتها؛ فهذه هي وظيفة الدين لا العلم، والإيمان بها من جهة الدين لا ينافي العلم ولا يقيده، والعلم عاجز كل العجز عن إبداء رأي فيها. فكيف يستطيع العلم أن ينفي جنا أو أن يقول به، أو أن ينفي الحساب يوم القيامة أو يدلل عليه؟! إن هذه كلها أمور غيبية ترك للدين الحكم فيها، كما ترك للعلم الحكم في دائرته؛ ولذلك قالوا: إن الدين يبدأ حيث ينتهي العلم. فالإسلام يؤمن بالعلم، ويترك له حريته في دائرته، ويدعو إلى الدين والإيمان بعقائده في دائرته أيضا، والاكتفاء بأحدهما تقصير ضار. وكان المسلمون الأولون يؤمنون بهما معا ، ثم كفروا بالعلم فضلوا. والغربيون يؤمنون بالعلم فنجحوا في حياتهم الدنيا، وكفروا بالدين فضلوا، ولا منجى من الضلال إلا بالإيمان بهما معا؛ ففي الإيمان بالعلم حياة العقل، وفي الإيمان بالدين حياة القلب، ولا خير للإنسانية إلا بحياة العقل والقلب معا، ولا تصادم بين العلم والدين كما لا تصادم بين حاستي السمع والبصر، فلكل اختصاصه. ولا أمل في النجاح إلا بالرجوع إلى تعاليم الإسلام وسير المسلمين الأولين باستخدام العقل والقلب. وآية ذلك أن الغربيين في اعتمادهم الكلي على العقل وحده لم يسعدوا كما كان ينتظر، وكانت نهاية العلم ويلات الحرب والفزع والرعب والأسلحة النارية والقنبلة الذرية. وليس العلم هو الذي سبب الفزع والرعب، ولكن الذي سببهما هو أن العلم لم يدعم بالدين، والعقل لم يدعم بالقلب، وفي الإنسان عقل وقلب لا بد أن يغذيا، وما لم يغذ عضو هام كالقلب يشعر الإنسان بالسآمة والملل. ويعجبنى في ذلك تقسيم الأشياء إلى ثلاثة أقسام: ما يعلم، وما يمكن أن يعلم، وما لا يمكن أن يعلم. فما يعلم هو دائرة العقل أو الشهادة، وما يمكن أن يعلم هو دائرة الغيب، وما لا يمكن أن يعلم هو دائرة المستحيل. وفي الحق أن الإسلام وقف موقفا وسطا بين منكري العلم ومنكري القلب. ودعا إلى الإيمان بهما جميعا بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر؛ والعقل رمز إلى العلم، والقلب رمز للشعور. وما الإنسان من غير عقل أو شعور؟!

إنه إذا فقد العقل غرق في الخرافات والأوهام، فبنى تربيته وزراعته وتجارته على أوهام؛ وإذا ترك شعوره كان حجرا جامدا كقطعة الثلج.

يوم الإسلام · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٧٧