إن عمر بن الخطاب بعقله الواسع واجتهاده المعقول استطاع أن يشرع للفرس والروم، وهو البدوي وهم الممدنون: ووقف حد الشرب على أبي محجن الثقفي؛ لأنه أبلى في الحروب بلاء حسنا، ووقف حد القطع على من سرق ناقة؛ لأنه كان جائعا، ووقف الحدود في الحروب لما رأى أن بعض المحاربين إذا وقع عليهم الحد فروا إلى الأعداء، وهكذا ... وأباح أبو حنيفة قراءة الفاتحة بالفارسية لما رأى أن بعض من أسلم من الفرس لا يحسن العربية، وقال مالك بالمصالح المرسلة، وقال أبو حنيفة بالاستحسان؛ فلماذا لا نسير سيرهم ولا نعمل عملهم؟ إن حياة المسلمين كلها تغيرت بالمدنية الحديثة، من راديو يقرأ القرآن، وصناديق توفير مفتحة الأبواب، ولبس قبعة وغير ذلك من الماديات، وتغيرت أساليب الزواج، ووسائل السفر، وغير ذلك من العلوم والمعارف، فلماذا نقف أمامها ولا نبين رأي الإسلام فيها؟ الحق أنا في أشد الحاجة إلى ذلك، وإلا كان ما حدث لبعض الزعماء كمصطفى كمال وغيره من القادة، رأوا الجمود فكفروا بالدين، ونقلوا المدنية الغربية بحذافيرها من غير تفرقة بين نافع وضار، وما يناسب المسلمين وما لا يناسبهم. لو كان وقوف العلماء مغمضي العين عن المدنية الحديثة يقف سيرها لهان الأمر، ولكن المدنية الغربية تسير بسرعة سير الطائرات، رضيناها أم أبيناها، فلنحلل منها ما حلل الله. ولنحرم ما حرم، ولنستعمل عقولنا التي رزقنا الله مراعين ديننا الذي شرعه الله.
إن مما يؤسف له أن حفنة من المسلمين نادوا ببعض إصلاحات كنداء عبد الله بن المقفع بتوحيد القوانين ونشرها على الناس؛ ليعرف المتقاضي وجه الحكم له أو عليه، ونداء المعتزلة بتحكيم العقل في الحديث، ونداء الشيخ محمد عبده في السنين الأخيرة بتنقية الدين من الخرافات والأوهام، والاستغاثة بالله وحده، دون الاستغاثة بأضرحة وأولياء، فرمي كل هؤلاء بالزندقة.
ومن المؤسف أيضا أن العالم الإسلامي كله خلط بين بقايا من المدنية الإسلامية القديمة وأشياء من المدنية الحديثة حتى لتجد الرجل في ملابسه بين شرقي وغربي، وأثاث المنازل بين شرقي وغربي، والعلوم التي تدرس في المدارس بين نحو سيبويه مبسطا، وطبيعة وكيمياء المدنية الغربية، ومحاكم شرعية تقضي بأحكام الفقهاء، ومحاكم وطنية تقضي بقوانين فرنسا أو ألمانيا؛ وكذلك كل مرفق من مرافق الحياة، زراعة قديمة بجانب الزراعات الحديثة، وتجارة قديمة بجانب التجارات الحديثة؛ بل تقرأ الجريدة الواحدة نفسها فترى أفكارا قديمة لكاتب وأفكارا حديثة لكاتب آخر؛ وكادت تكون هذه الأمور مقبولة لو أنها وضعت على أسس معقولة، وفرزت فرزا دقيقا، ولكنها كومت كلها حيثما اتفق، فكان مثلها مثل رجل يلبس بدلة على آخر طراز من النمط الغربي، ويلبس في رجله حذاء من نوع ملابس القرون الوسطى، وهذا ضرر في العقلية، وضرر في التكوين الخلقي، وضرر حتى في الدين نفسه. وكانت نتيجة هذا ما نشاهده في العالم الإسلامي كله من انحلال وعدم تماسك، حتى يكون العقل بذلك مهوشا مشوشا، لا يبنى على قواعد منطقية سليمة، ولا على ذوق سليم. ومن آثار هذا أيضا كثرة الجدال حين يجتمع قوم من الناس ذوي عقليات مختلفة، لا كما ترى في جمعيات إنجليزية أو ألمانية؛ لأنهم وحدوا أسس التعليم الابتدائي والثانوي، فتقاربت العقليات، فإذا كان خلاف فخلاف في نوع التعليم العالي، مع توحيد أسس مناهجه.
والاجتهاد في الإسلام مبني على أصول أربعة: القرآن، والحديث، والإجماع، والقياس. فأما القرآن؛ فأريد به أن يكون تنظيما تشريعيا مبنيا على دعائم ثابتة تعتمد على الإيمان بالله واليوم الآخر. وأما السنة فقد شرحناها من قبل، ورغم أن الأستاذ جولد زيهر نقدها نقدا علميا حديثا، وأبان أن كثيرا منها مزيف مأخوذ من شرائع أخرى دست في الإسلام؛ فإنها أصل من أصول التشريع الإسلامي، نعم إن كثيرا من الأحكام الشرعية أسست على تقاليد كانت جاهلية، وأقرها الإسلام؛ لأنها لا تزال وفق بيئته فإذا تغيرت البيئة لم يعد للعمل بهذه الأحاديث محل، وربما كان هذا هو الداعي لفرقة من الفرق الإسلامية أن تنكر الحديث، وحكى خبرها الإمام الشافعى في الأم ولم يستنكر قولهم، وربما كان هو الداعي أيضا إلى تحرج الإمام أبي حنيفة من الأحاديث والعمل بها، واقتصاره على نحو سبعة عشر حديثا، وإنما اعتمد أكثر ما اعتمد على الاستحسان، كما اعتمد الإمام مالك على المصالح المرسلة، وكلاهما يعتمد على العدالة التي يفهمها العقل الفطري، والذي يسميها القرآن «المعروف»، ويسمي ضدها «المنكر».