تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكل المجتهدين السابقين فعلوا مثل هذا؛ ونحن لسنا أقل منهم في مواجهة الصعاب، وقدرتنا على حلها، وفي التاريخ أمثلة كثيرة من هذا القبيل، وإن الذين أغلقوا باب الاجتهاد، أو فتحوا فقط باب الاجتهاد الضيق ضرونا ضررا بليغا، وجمدونا جمودا متحجرا، فأصبحنا كالنعامة تغمض عينيها عما سيؤذيها؛ وليس يحيا دين على ممر الأزمان إلا إذا كانت فيه صفه المرونة. نعم إن جماعة كالبابية والبهائية والقاديانية قالوا بهذا الاجتهاد، ولكنهم أفرطوا في الحرية بعض الأحيان إفراطا لا يرتضيه الإسلام، كالقول بأن الأنبياء لم يختموا بمحمد مخالفين النص القرآني:

وخاتم النبيين ، وغير هذا من أمور ليس هذا موضعها، فنحن محتاجون إلى نوع خاص من المجتهدين.

نوع يفهم الدين فهما دقيقا، ويفهم المدنية فهما عميقا، ثم يطبق تلك على الدين، مراعيا المصلحة العامة والعقل الواسع. أما أن يفهم الدين وحده كبعض علمائنا، أو أن يفهم الحضارة الغربية وحدها كبعض المتمدنين؛ فنظر بعين واحدة وهو لا يكفي. إنا لا نريد الاجتهاد لكل أحد، ولكن نريده بشروط كالتي قالها الأقدمون، وكل ما نخالفهم فيه أننا نثق بأنفسنا، ولا نقبل مركب النقص فينا، ونؤمن بفضل الله وسابغ عطاياه، وأن الأمة الإسلامية لم تصب بالعقم، فالأمهات اللاتي كن يلدن عباقرة حتى في الدين يلدن حتى اليوم هؤلاء العباقرة

3 ... ومما يؤسف له أن كثيرا من علمائنا الدينيين لم يتعبوا أنفسهم في فهم المدنية الحديثة كما أتعب علماء المسيحية أنفسهم في فهمها؛ فقل أن تجد عالما فاهما للمدنية الغربية، وربما كان السبب في كرهنا للمدنية الغربية أنها نشأت في أحضان النصرانية لا الإسلام، ولكن لا يمنعنا هذا - وقد تسلطت المدنية الغربية على العالم كله حتى الأمم الإسلامية - من فهم المدنية الغربية وأسرارها، وتحديد موقفنا أمامها.

لو كانت تعيش المدنية الغربية في بلاد غير بلادنا لاحتملنا ذلك؛ أما وهي تعيش في بلادنا بماديتها ومعنويتها فلا يصح أن نغمض النظر عنها، إن العلماء يلبسون من صنعها ويحلون بيوتهم بأثاثها، وآلات إذاعتها وتليفوناتها، ويزرعون بآلاتها، فلماذا لا يوسعون فهمهم لها، ويفتحون الطريق أمام خيراتها، ويغلقونه أمام شرورها، ويبصرون الناس بموقفهم منها؟

هذا هو الفرق العظيم بين رجال ديننا ورجال دينهم. يظهر ذلك في علمهم الواسع بأساليب سياستهم وتكوين رأيهم فيها، ويظهر ذلك أيضا في وعظهم ووعظنا، في كنائسهم ومساجدنا. فهم يتحدثون بل ويؤلفون بلغة العصر وروح العصر. وأشهد أني قرأت دائرة معارف بالإنجليزية للأطفال، فكان رجال الدين في كل عدد يعرضون لأحاديث التوراة والإنجيل وقصص الأنبياء بلغة فيها علم نفس، وفيها فهم لعلم الطبيعة والكيمياء، وفيها لغة تناسب عقول الأطفال والشبان وتستهويهم، وتوافق لغتهم التي يألفونها في كتب العلوم والآداب. أما نحن فمن أسباب انصراف ناشئتنا عن الدين أننا لا نعرف أن نخاطبهم بلغتهم التي يفهمونها، ثم هم إذا حدثت حوادث كغرق مركب كبير، وقيام حرب كبيرة، وحدوث أحداث سماوية صغيرة انتهزوا الفرصة فتكلموا بلغة الدين فيها؛ فكان كلامهم مقبولا. ونحن لا نتكلم إلا عن الماضي، وبلغة الماضي؛ فلا يكون كلامنا مقبولا. إن زعماء الإصلاح الذين نجحوا كان نجاحهم بمقدار فهمهم للمدنية الغربية وفهمهم للإسلام معا، كالسيد جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، ومدحت باشا، والسيد أمير علي. أما من تخلف منهم، ولم يناسب إلا جزيرة العرب وأمثالها، كمحمد بن عبد الوهاب، فسبب عدم شيوع تعاليمه هو أنه اقتصر على فهم الإسلام دون الجانب الآخر من الحياة، حتى فهمه للإسلام كان فهما مقيدا بظروف الحياة في الجزيرة العربية قبل تطوره التطور الذي جاء بعد؛ فهو أشبه بابن عمر من عمر.

يوم الإسلام · الصفحة ٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٧١