تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الإجماع: فهو مبدأ هام من مبائ التشريع الإسلامي، وربما طبق تطبيقا وافيا في النظام الشوري عند الأمم الحديثة؛ إذ تنتخب أظهر الرجال وأبرزهم، وهم من كانوا يسمون في العهد القديم أهل الحل والعقد، فإذا اجتمعوا على الرأي كان ذلك تشريعا. وأما القياس: فقد قال به أبو حنيفة، وأنكره عليه مالك، وقد توسع أبو حنيفة فيه، ولكن مع الأسف طبقه تطبيقا أرسططاليسيا يعتمد على طريقة الاستنتاج لا طريقة الاستقراء، ويهتم بالناحية النظرية أكثر من اهتمامه بالناحية العملية، وتوسع في التشريع للفروض، حتى ما لم ينبن عليها عمل، كما توسع أصحابه في الحيل الشرعية التي ترفع العمل، وتصور كيفية الفرار من الفرائض، ونحو ذلك. على حين أن الإمام مالكا اتبع سنة أهل المدينة في الاعتماد على العمل دون الفروض، وعلى ما يقع من الأحداث دون النظريات. والاجتهاد الحق يتطلب أن ينظر المجتهد في تطبيق كليات الدين على ما يحدث من مسائل جزئية. ونعني بكليات الدين القواعد الكلية التي تطبق عليها جزئيات كثيرة، مثل: «لاضرر ولا ضرار» ومثل:

أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ، ومثل

إن الذين آمنوا والذين هادوا

الآية. فهي تتضمن أن أسس الدين هي الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، وقوله - تعالى:

ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ، فهي تكشف عن حالة اليهود والنصارى في عصر النبي، ولا تزال مطردة في أهل الملتين إلى اليوم، وكالاستعانة على النهوض بمهمات الأمور بالصبر والصلاة:

واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ، وكبطلان التقليد للآباء والأجداد والمشايخ والمعلمين والرؤساء، وهي مبثوثة في القرآن، وكإباحة جميع طيبات المطعم، وامتناع التحريم الديني لما لم يحرم الله منها:

يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ،

إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ، وكإباحة المحرمات المضطر إليها:

فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ، وكبناء الدين على اليسر:

يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ، وكحظر التعرض للهلكة:

ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ، وكحرية الدين والاعتقاد، ومنع الاضطهاد الديني:

وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ،

لا إكراه في الدين ، وكبناء الأمور الزوجية والبيوت، وتربية الأولاد على دعائم أربع:

أولا:

قيام النساء بالأمور التي تقتضيها وظيفتهن كالرضاعة وغيرها من أمور تربية الأطفال، ووجوب النفقة كلها على الزوج.

ثانيا:

ألا يكلف أحد من الزوجين ما ليس في وسعه.

ثالثا:

لا يضار والد بولده، ولا مولود له بولده.

رابعا:

إبرام الأمور بالتراضي والتشاور.

وكجعل ذرائع درء الفساد والشر مناطا للتشريع وأصلا من أصول الأحكام الاجتهادية، وكتحريم أكل مال الناس بالباطل، وكالاعتقاد بأن عمل كل إنسان له أو عليه لا يجزى إلا به فلا يجزى به سواه

لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ، وكبناء التشريع على حفظ الفرد والنوع والمال. ولنا على صحة الاجتهاد ووجوهه أمثلة كثيرة؛ منها:

أولا:

عمل كثير من الصحابة - وخصوصا عمر - في مقابلة هذه الحوادث الفياضة التي واجهها من جراء الفتوح.

ثانيا:

قوله - تعالى:

لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، وليس الاستنباط إلا اجتهادا.

ثالثا:

ما فعله أبو بكر؛ فقد كان إذا نزل الأمر يجمع إليه كبار الصحابة، ويسألهم: هل في هذا نص من القرآن؛ فإن لم يجد سألهم: هل يروي أحد في هذا حديثا، فإن وجد عمل به، وإن لم يجد شاورهم الرأي.

رابعا:

أن الإجماع نفسه وقد أجمعت الأمة عليه هو معنى من الاجتهاد؛ حجة بأن يجمع الأئمة في كل عصر أو الأئمة كلهم في قطر فيكون رأيهم حجة، وليس هذا إلا ضربا من الاجتهاد.

يوم الإسلام · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٧٣