تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنها أن المخترعات الحديثة من طيارات وما إليها أزالت الفوارق بين الشعوب، وجعلت العالم كله وحدة، وقربت الاتصال بين أوروبا والشرق، وسهلت نقل الأفكار والمعاني إلى الشرقيين، فدب فيهم الوعي القومي، ونال بعضهم الاستقلال؛ تلبية لهذه الأفكار التي يسمعونها والصحف التي يقرءونها، والبعض الآخر في طريقه إلى ذلك.

وأما إصلاح حال المسلمين فيكون بشيئين: أحدهما فصل العلم عن الدين، والتوسع في العلم إلى أقصى قدر مستطاع؛ فليس العلم ملكا لمذهب دون مذهب، وليس الإسلام مما يناهض العلم. وفصل العلم عن الدين شيء ميسور ومحبوب. وأما فصل الدين عن السياسة كما فعلت أوروبا المسيحية، وكما فعل مصطفى كمال؛ فشيء لا يقتضيه الإسلام؛ لأنه لا بد أن يدخل الدين في السياسة؛ لينقحها، ويهذبها ويحسن من نيات ولاة الأمور، ويوجههم نحو ما ينفع رعيتهم، ولم تقع أوروبا في الحروب المتتالية إلا لفصل السياسة عن الدين؛ فبانفصالها عن الدين انفصلت عن الأخلاق أيضا.

والأمر الثاني هو الاجتهاد. والاجتهاد في اصطلاح الأصوليين بذل الفقيه الوسع في تحصيل ظن بحكم شرعي. وقد اشترطوا في المجتهد شرطين؛ الأول: معرفة الله - تعالى - وصفاته، وتصديق النبي

صلى الله عليه وسلم ، والثاني: أن يكون عالما بمدارك الأحكام، وأقسامها، وطرق إثباتها، ووجوه دلالتها، وأنواع العلوم العربية من اللغة والصرف والنحو وغير ذلك. وقد أصيب المسلمون بحكمهم على أنفسهم بالعجز، وقولهم بإقفال باب الاجتهاد؛ لأن معناه أنه لم يبق في الناس من تتوفر فيه شروط المجتهد، ولا يرجى أن يكون ذلك في المستقبل. وإنما قال هذا القول بعض المقلدين؛ لضعف ثقتهم بأنفسهم، وسوء ظنهم بالناس، وزعمهم عكس ما يقول أصحاب النشوء والارتقاء من دعواهم أن العقل دائما في تدن وانحطاط، وغلوهم في تعظيم السابقين.

وإنما أصيب المسلمون بقولهم بسد باب الاجتهاد؛ لأسباب ثلاثة، أولها: كارثة المسلمين بضياع المعتزلة، وهم الفرقة العقلية في الإسلام، وانتصار أهل الحديث عليهم. والثاني: مهاجمة أهل التصوف للفقهاء بأنهم شكليون، ويعنون بالشكل أكثر مما يعنون بالروح، فاتفقوا مع المعتزلة في مناهضة الفقهاء، وكان على رأسهم سفيان الثوري الذي توغل في الروحانية مع اطلاعه الواسع في الفقهيات. والسبب الثالث: سقوط بغداد على يد التتر، وقد كانت بغداد إذ ذاك مركز الحضارة والثقافة الإسلاميتين، فأصيب العلماء بالفزع من جراء هذا السقوط، وغلبهم التشاؤم وودوا أن لو استطاعوا فقط حتى المحافظة على القديم من غير تجديد، وهم في ذلك معذورون بعض العذر. فانحبس الناس في التقليد. والاجتهاد الذي نريده هو الاجتهاد المطلق لا المقيد بمذهب. وهذا الاجتهاد المطلق هو الذي فعله معاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن حنبل، وداود الظاهري، والطبري، وابن تيمية، وأمثالهم. وليس المسلمون مقيدين بالمذاهب الأربعة، فغيرهم من عشرات الأئمة لم يتقيد بمذهبهم.

والاجتهاد في عصرنا أسهل من الاجتهاد في عصرهم، فالمطابع نشرت عشرات التفسيرات للقرآن الكريم، وعشرات الكتب في جمع الحديث؛ وأصبحت المطالعة في الكتاب تغني عن الرحلات المختلفة إلى مصر والأندلس والحجاز، فقد كفانا المحدثون مئونة ذلك.

هذا إلى أن الله لم يخل الأمم الإسلامية في كل عصر من مسلمين أذكياء عقلاء، عارفين بكليات الشريعة الإسلامية ومقاصدها، قادرين على تطبيقها على الجزئيات. ثم إن المدنية الحديثة قابلت المسلمين بجزئيات لا عداد لها؛ فقد أصبحت طرق المعاهدات الجديدة تخالف في كثير من الأحيان طرق المعاملات القديمة، وتطور العالم الإسلامي في العشرين سنة الأخيرة ما لم يتطوره في مئات السنين الماضية؛ تدل على ذلك الأسئلة الكثيرة التي ترد على العلماء من كل قطر، في حل بعض الأمور وحرمتها. فما لم نواجه هذه المسائل بالاجتهاد المطلق تخلفنا كثيرا في الحياة، ولو واجهت هذه المسائل الأئمة الأربعة لأفتوا فيها فتاوى يضعون فيها إحدى عينيهم على كليات القرآن، والعين الأخرى على المدنية الحديثة؛ والله - تعالى - ينهى عن الغلو في الدين، والرسول يقول: «إن الإسلام يسر لا عسر» فهذه المشاكل لا تحل إلا باجتهاد مطلق؛ ولسنا نعني بالاجتهاد المطلق إعمال العقل وحده، والتقليد للأجنبي تقليدا أعمى، وإنما نعني اجتهادا من أهل الاجتهاد، اجتهادا يفهم الإسلام ومراميه، ويفهم المدنية الغربية ومراميها، ثم يحلل أو يحرم على مقتضى هاتين النظريتين.

يوم الإسلام · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٧٠