تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد فإن أوروبا مع تقدمها في فهم الحرية، وجدها المتواصل في بناء حياتها على العلم لا على العواطف ما زالت بعيدة عن تحقيق التسامح الديني بالمعنى الذي شرحناه قبل. فبالأمس قرأنا كيف فعل هتلر بيهود ألمانيا، وقرأنا كيف اضطهد الشيوعيون الدين، وحاربوا شعائره، ونقرأ في الصفحات الأخيرة كيف حاربت أوروبا المسلمين العرب في فلسطين، ونصرت اليهود عليهم، وعرفنا كيف تخلط أوروبا المنفعة السياسية بالعواطف الدينية في معاملتها للمسلمين.

وأخيرا فهل للمسلمين أن يشتد وعيهم الديني، ويفهموا بعد طول هذه التجارب التي ذكرناها أنه لم يعد هناك وجه للخلاف بين سني وشيعي وزيدي وغير ذلك من المذاهب؛ لأنهم لو رجعوا إلى أصل دينهم ما وجدوا لهذا الخلاف محلا، ولوجدوا أنه خلاف مصطنع لا خلاف أصيل، وأن الأمم الإسلامية في موقفها الحاضر أحوج ما تكون إلى لم شعثها، وإصلاح ذات بينها، وتوحيد كلمتها، وهي ترى كيف تهاجم من كل جانب وكيف يتخذ إسلامها وسيلة من وسائل الكيد لها، وإذا اتحد أهل الباطل على باطلهم فأولى أن يتحد أصحاب الحق على حقهم!

واعترض قوم آخرون على الإسلام - وخصوصا المستشرقين الإنجليز في الهند - بأن الإسلام جامد، والدين لايصلح إلا إذا كان فيه عناصر ثبات وعناصر تحول على حسب مقتضى الظروف والأحوال. وهذا عيب في المسلمين لا في الإسلام، فالإسلام سن بابي الإجماع والاجتهاد ليكون مرنا. وكان من أكبر قادة المسلمين عمر بن الخطاب، وكان يجتهد حتى فيما يقابل النص. وسار معاذ بن جبل، ثم عبد الله بن مسعود، ثم أبو حنيفة النعمان على هذه الطريقة، طريقة إعمال العقل فيما يروى، والاجتهاد فيما يجد من الأحداث. وإنما المسلمون آخر الأمر هم الذين أغلقوا باب الاجتهاد، وحرموه عليهم، وكلفوا المسلمين شططا في أنهم يسيرون في الظروف الحادثة سيرهم في الظروف القديمة. وظهروا أمام العالم الغربي بمظهر الجامدين، واتخذ هؤلاء المستشرقون عمل المسلمين حجة على الإسلام نفسه، والإسلام نفسه من ذلك براء.

وتبع هذا غلو في الدين وتشدد فيه بعد أن كان الإسلام سمحا وسهلا، وذلك بسبب تأثير الفلسفة اليونانية على المسلمين. فالإسلام يأمر بغسل الوجه عند الوضوء، فتأتي الفلسفة وتحدد معنى الوجه وما تنطبق عليه كلمة الوجه، كأن المتوضئ مهندس مساح يريد تحديد الوجه بالمساحة. والدين يندب إلى السواك، فيأتي الجامدون المغالون ويبحثون في السواك: بم يكون؟ ومتى يكون؟ وما حجم القشرة المنزوعة من عود الأراك؟ وكيف يستاك؟ وبعد أن يستاك كيف يضع السواك؟ إلى آخر ما هناك. فهذا تشديد في الدين تأثر فيه الإسلام بالعقل الفلسفي اليوناني الذي يتعمق ويتعمق. وقد كان الإسلام يأمر بغسل الوجه، ويندب إلى السواك على الفطرة من غير بحث ولا تعمق، وهكذا في سائر شئون الدين وتعاليمه، حتى خرجوا من ذلك إلى الحيل الشرعية التي يحتالون بها للهروب من الواجبات، فألفوا في ذلك الكتب في الحيل الشرعية. وكانت هذه الفلسفة أيضا سببا من أسباب التفريق بين المسلمين فرقا مختلفة حتى انقسموا فيما بينهم كانقسام الأمم قبلهم.

وتسألني كيف يكون تقرب الأوروبيين من المسلمين؟ وكيف يصلح المسلمون حالهم؟ فأقول: أما تقرب الأوروبيين من المسلمين؛ فله دواع كثيرة. أولها: أن النعرة الوطنية كانت أشد من العصبية الدينية؛ فحاربت أمريكا وإنجلترا النصرانيتين روسيا النصرانية، وانقسم العالم الآن إلى معسكرين كل منهما نصراني، ودعتهما العصبية القومية أن يستعينا بغيرهما من المسلمين، فكان في هذا التقرب إليهم. وثانيا: وجد هناك أبطال من العلماء المسلمين ومن العلماء المسيحيين، رفعوا الصوت عاليا ضد الجهلاء السابقين. من هؤلاء المنصفين «كارليل» في كتابه «الأبطال»، وإسحاق تيلر في خطبه في «مجمع القسيسين»، و«أرنولد» في كتابه «الإسلام»، وغيرهم. وهؤلاء من غير شك مسحوا شيئا غير قليل من عداء الماضي، وأسسوا نزعة جديدة للتحبب والتقرب. ومن هذه الدواعي أن العالم الآن يسير نحو الإنسانية متخطيا القومية والوطنية، ولا بد أن سيصل يوما إلى هذه الغاية.

يوم الإسلام · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٦٩