تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وانظر إلى النزاع الحاد والدماء المسفوكة بين السنية والشيعة طول العهد الأموي والعباسي وبعد ذلك، وما جرى بسببه من دماء تجري أنهارا؛ تجد سببه أن أهل السنة من أمويين وعباسيين وغيرهم يرون الحق في خلافتهم، ويرى الشيعة أن لا حق لهؤلاء في الخلافة، وإنما الحق لأهل البيت وكل يعمل على أن يصل إلى حقه بقوة السلاح، فالنزاع إذن نزاع على من يتولى الحكم وهذه سياسة لا دين. وأحيانا يقوم بالدعوة الدينية رجال يدعون إلى مذاهب هدامة، ويتسترون باسم الدين، وتخشى الحكومة إن سادت تعاليمهم أن تنهار قوتها فتضطر إلى محاربتهم، وشكل الحرب شكل ديني وحقيقته سياسية. وكثير ممن خرجوا على الدولة العباسية كانت حقيقة أمرهم الرغبة في إعادة الحكم للفرس، ككثير ممن قتلوا تحت ستار الزندقة في عهد المهدي العباسي وبتهمة المانوية. وقد يستثنى من ذلك الاضطهاد الذي حدث من المأمون والواثق لمن لم يقولوا بخلق القرآن، فقد كانت هذه نظرة دينية خاطئة من المأمون والواثق؛ إذ ظنا أن من لم يقل بالاعتزال وبخلق القرآن؛ فقد أفسد دينه فهما يريدان إصلاح العقيدة قسرا وجهرا كما فعل المسلمون الأولون إزاء الوثنيين، وهذا خطأ كبير في التفكير نتج عنه أضرار جسيمة للمسلمين.

ومن العداء السياسي ما كان بين الدولة العثمانية والدولة الإيرانية، فالعداء بينهما عداء سياسي اتخذ شكلا دينيا؛ يريد العثمانيون الأولون أن يمدوا سلطانهم على الفرس، ويأبى الفرس إلا أن يحتفظوا باستقلالهم، فيئول ذلك إلى البغض الذي بلغ مداه في عهد السلطان سليم الأول، حتى كان اضطهاده للشيعة في مملكته أن قتل وسجن ما يقرب من أربعين ألفا. ولكن من الخطأ تحميل الدين جرائر السياسة، بدليل أن كثيرا من هذه الخصومات السياسية حدثت بين أمم إسلامية مختلفة تعتنق عقيدة واحدة سنية أو شيعية، وإنما كان الخلاف بينها على السلطان وسعة الحكم ونحو ذلك.

ولسنا ننكر أن كثيرا مما حدث في التاريخ من اضطهاد المسلمين للنصارى واليهود كان ناشئا عن كراهية دينية وغيرة إسلامية، ولكنها كانت غيرة عمياء من بعض من أصيبوا بضيق النظر وفهم الدين فهما خاطئا، أو كان ردا لما يبلغهم عن اضطهاد المسيحيين للمسلمين، فيضطرون أن يعاملوهم معاملة المثل جزاء وفاقا، ولكن من الظلم أن نحمل الدين الإسلامي هذه الأخطاء أيضا.

وأحيانا كان يكون السبب في اضطهاد المسلمين لليهود والنصارى سببا اقتصاديا، فكثيرا ما كان يحدث أن تولي الحكومات الإسلامية بعض اليهود والنصارى زمام الأمور المالية في الدولة، فيسرفون في تعيين أقاربهم وأصهارهم في الوظائف المالية، كما يسرفون في بذل المال لهم، وبعد قليل ينظر المسلمون فيرون أن الغنى والترف وحياة الفخفخة والأبهة والعظمة في جانب اليهود والنصارى، وحياة البؤس والفقر في جانب المسلمين، فيثور ثائرهم ويحطمون هذا الوضع الاقتصادي الظالم، كما حدث ذلك في العهد الفاطمي. وقد كانت الدولة العثمانية في أول أمرها من أكثر الدول تسامحا لرعاياها من اليهود والنصارى، ومنحتهم من الامتيازات ما لم يعهد له نظير في الدول الأخرى، ولكن انقلبت هذه الامتيازات معاول لهدم الدولة العثمانية، واتخذت الدول الأجنبية من روسيا وإنجلترا وفرنسا وغيرها هذه الامتيازات التي لرعاياها وسيلة لنشر الدسائس، وتدبير المؤامرات، وخلق الفتن، فاضطرت الدولة بعد إلى استعمال كثير من العنف؛ دفاعا عن كيانها، ومواجهة لنقض الدسائس التي تحاك حولها، وكل هذا سياسة لا دين. وأحيانا يكون سبب القتال والخصام تجارة رؤساء الدين، فيرون أن قوة مركزهم وبسطة نفوذهم متوقفة على تعصب عوامهم، فهم يستغلون ضيق نظر أتباعهم ويبثون فيهم روح التعصب؛ حفظا لمركزهم ونفوذهم وسيطرتهم، علما منهم بأنه إذا ساد التسامح، وكان الناس إخوانا فقدوا عزتهم ومكاسبهم الفانية، والأمثلة على ذلك كثيرة. •••

يوم الإسلام · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٦٨