أما نظر الإسلام إلى الأديان الأخرى فهو نظر سمح، فقد سمى اليهود والنصارى أهل كتاب، وسماهم أهل ذمة، وهما تسميتان في منتهى اللطف. والآيات التي وردت في القرآن في أهل الكتاب تدل على قدر كبير من التسامح خصوصا في العهد المكي، فيظهر أن اليهود والنصارى قابلوا الإسلام في العهد المكي بشيء من حسن الاستقبال؛ فكان القرآن في ذلك العهد سمحا كريما، وقد بني في أساسه على أن القرآن يؤيد الكتب السماوية الأخرى، ويتفق معها في أغراضها، وأن الشريعة الإسلامية وارثة لما قبلها ومكملة لتعاليمها:
والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير ،
ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون
والإسلام يعترف بنبوة الأنبياء السابقين؛ فنوح وإبراهيم إسحاق ويعقوب وداود وسليمان ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس أنبياء مصدقون. ويقرر أن أساس تعاليمهم واحد، وكلها من عند الله؛ فلا غرو بعد ذلك كله أن يكون الإسلام سمحا مسالما، حتى لقد نصح أتباعه بأنهم إذا دخلوا في جدال مع اليهود والنصارى بشأن الدين جادلوهم بالحسنى:
ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ، بل نرى في العهد المدني في أول الأمر مثل قوله - تعالى:
فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ، وقوله:
قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ، ولكن يظهر أن اليهود والنصارى في العهد المدني بعد ذلك وقفوا أمام الدعوة الإسلامية، يهاجمونها، ويضعون الخطط لخنقها، ويتحالفون مع الوثنيين في الكيد لها، والنيل منها، فاضطر الإسلام أن يقابل الشدة بالشدة والكيد بالكيد؛ فعلت نغمة القرآن في التنديد بأهل الكتاب، ووصف أساليبهم القديمة، وخاصة اليهود وما فعلوه مع أنبيائهم، فكان موقف المسلمين منهم موقف الدفاع لا الهجوم، ومع ذلك فقد سمح لليهود والنصارى أن يؤدوا شعائرهم في المدينة، ونصح الرسول معاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن بألا يكره يهوديا على الإسلام، وفي كتابه إلى نصارى نجران سمح لهم أن يؤدوا شعائرهم، وأن يتبعوا دينهم، وأن تحفظ لهم كنائسهم، وألا يتدخل في شئونهم ما وفوا بعهودهم.
وسار الفقهاء من المسلمين على هذه التعاليم في فقههم من حسن معاملة أهل الكتاب، وأن يكون لهم ما لنا وعليهم ما علينا، بل لما فتحت فارس عومل أتباع زرادشت معاملة أهل الكتاب، ولئن قسا الإسلام بعض الشيء على الوثنيين دون أهل الكتاب؛ فلأنه يرى أن الوثنية انحطاط في الإنسانية يجب علاجها، وانتشال الإنسانية من حضيضها، وعلى هذا سار المسلمون في أكثر تاريخهم، على حسن معاملة أهل الكتاب، يحمونهم ما دفعوا الجزية، ويسمحون لهم بالعبادة في بيعهم وكنائسهم، وهذه الجزية إنما شرعت بدل تجنيدهم؛ لأنهم لا يأمنون جانبهم إذا جندوا، ولا يثقون بغيرتهم الحربية، فليدفعوا بدل القتال شيئا من المال لحمايتهم. ولو قرنت معاملة المسلمين في دولهم لليهود والنصارى بمعاملة النصارى للمسلمين في دولهم لتبين إلى أي حد كان التسامح عند المسلمين وفقدانه عند النصارى، حتى ليصح للمسلمين أن يفخروا بتشريع الفقهاء الأولين في معاملة أهل الذمة، وبتطبيق ذلك عليهم في مختلف العصور.
نعم حدثت في التاريخ أحداث كثيرة لا تتفق وهذا التسامح الكريم، ولكن إذا دققنا النظر فيها وجدناها ترجع إلى أسباب أكثرها غير ديني، سواء في ذلك الاضطهاد الذي حدث بين المذاهب الإسلامية بعضها وبعض، أو بين المسلمين وغيرهم من اليهود والنصارى. من أهم هذه الأسباب السياسية؛ فالنزاع بين الحكومة الإسلامية والخوارج في العهد الأموي وصدر العباسيين سببه أن الخوارج بتعاليمهم يريدون أن يتولى الحكم أصلح الناس ولو كان عبدا حبشيا، ولا يعترفون ببيت أموي ولا بيت عباسي، ويريدون أن يصلوا إلى مبدئهم بالقوة، فاضطرت الحكومة الأموية والحكومة العباسية أن تحفظ كيانها وتحمي بيتها في الخلافة بمحاربة الخوارج والقضاء عليهم، وهذا سياسة لا دين.