تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أقول هذا ما قاله حجة الإسلام في جماهير علماء المسلمين إلى عهده في أواخر القرن الخامس والقرون الخمسة الأولى خير زمن المسلمين علما وعملا وتمسكا بالدين، ثم كان الأمر أمر من ذلك وأقسى من جهالة العلماء، ومزج الدين بالتصوف وبالخرافات، فازداد تفرقهم إلى شيع، ثم احتاج إليهم الأمراء في تخدير الرعية، وإثارة الخلاف بين السنية والشيعة، فعملوا بإشارتهم، وخدروا الرعية كما أمروا، وبالغوا في تعليم الناس أن ما كان مقدرا لا بد أن يكون، وأن ما يحدث بقضاء الله وقدره، وأن الفقير فقير لقضاء الله عليه بالفقر، والغني غني لقضاء الله له بغناه، والسلطان سلطان بقضاء الله بسلطانه. وأن السلطان ليس مطلوبا منه عدل في رعية ولا نظر إلى مصالحها؛ فهو إنما يفعل ما يفعل تحقيقا لمشيئة الله.

كل هذا أضعف من قيمتهم في نظر الملوك أنفسهم وفي نظر الشعوب إلا من عصم ربك، ومثل علماء الدين مشايخ الطرق الصوفية، وقد خضعوا أيضا للسلطان، واستذلوا له وخدروا الشعب من طريق تصوفهم تارة بأن الولاية يصح أن تجتمع مع مخالفة الدين، وتارة من جهة أن السلطان خليفة الله، وإنما يأتي ما يأتي بأمر من الله وإطاعته، فتعاونوا مع الأمراء تعاون العلماء معهم في خدمة مصالحهم الشخصية من طريق خدمتهم للسلاطين والكبراء. على أن الدين في كل أمة ليس هو كل شيء ورقي الأمم وانحطاطها يرجع إلى أسباب كثيرة أحدها الدين. يرجع إلى الحالة الاقتصادية في الشعوب، وإلى الحالة الاجتماعية، وإلى وجود العلماء المخترعين، وإلى الدين أيضا، بل إن الدين يتلون بلون الأمة ولون عقيدتها، فالنصارى أنفسهم دينهم اليوم ، وإن سمي بالنصرانية ليست هي النصرانية التي كانت في القرون الوسطى، ولا النصرانية التي كانت في أول عهد البروتستنتية، لكنها نصرانية تغيرت بتغير العقلية. وحسبنا دليلا على ذلك أن أمة اليابان وهي وثنية الدين لما حذت حذو أوروبا وأمريكا في نهضتها؛ فأيدت علماء الطبيعة والكيمياء وعلمتهم التعليم الحديث، وشجعتهم على الاختراع والابتكار ساروا سيرها، ووصلوا إلى ما وصلت إليه أوروبا وأمريكا، وحاربوا روسيا وانتصروا عليها، ثم حاربوا أوروبا وأمريكا وانتصروا عليهم أولا وإن انهزموا أخيرا. ولم تمنعهم وثنيتهم أولا من النهوض والتقدم، وكان تقدمهم في وسائل النهضة الأخرى مغطيا لانحطاطهم الديني؛ فكيف لو صلح دينهم وسمت روحانيتهم؟! فقوانين النهوض والانحطاط واحدة في جميع الأمم، وطبيعية كطبيعة الشمس تطلع على الكافر والمؤمن وتنبت الزرع للكافر والمؤمن، ولم يجعل الله التقدم مقصورا على أمة دون أخرى، وعلى أهل دين دون آخرين، إنما هي هذه القواعد الطبيعية التي من سار عليها تقدم؛ مسلما كان أو كافرا أو وثنيا، ومن لم يسر عليها تأخر؛ مسلما كان أو كافرا أو وثنيا والله - تعالى - يقول:

إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ، والمتقون هنا من راعوا كل شروط التقدم، لا من أكثروا الصلاة والصوم والزكاة والحج فقط، فإذا استوفت أمة كل هذه الشروط تقدمت لا محالة، وإذا كانت هذه الشروط عشرة فاستوفت تسعة أو ثمانية كان تقدمها بمقدارها. والدين أحد هذه الشروط، لا كلها؛ فالمشركون لو توفرت لديهم كل الشروط ما عدا الدين تقدموا تقدما ناقصا بقدر عامل الدين الصحيح.

وقد شاء الله أن يكون تقدم الأمم وانحطاطها. بشروط طبيعية، كشروط تمدد الأشياء بالحرارة وانكماشها بالبرودة، وانجذابها وفقا لقانون الجاذبية، والكهربة وفقا لقوانين الكهربة وهكذا، فإذا حصلت الأسباب حصلت المسببات، فإذا سار المسلمون سير غيرهم في تقدمهم نهضوا نهضتهم، وبقدر ما يحققون من شروط يكون مقدار نهضتهم، ولا يعبأ الله بالأسماء؛ مسلما كان أو نصرانيا أو وثنيا، إنما يعبأ بالأسباب. والمثل العربى يقول: «ومن سار على الدرب وصل.» وأول هذه الشروط هو الوعي القومي الناضج ومعرفته هدفه. وقد تقدم المسلمون بعض التقدم على قدر وعيهم القومي غير الناضج، وغير المحدد الهدف، فإذا حدد هدفهم، ونضج وعيهم زاد تقدمهم وإلا لا. سنة الله التي خلق الناس عليها ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا، والله - تعالى - يقول:

يوم الإسلام · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٥٠