تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، فتقدم المسلمين أولا وتأخرهم أخيرا ثم نهضتهم ثالثا لم تكن مجرد حوادث ليس لها تعليل طبيعي، وإنما هي معللة تعليلا طبيعيا يدركه ذوو العقول الراجحة.

لو نظرنا إلى حال المسلمين في عهد الرسالة وصدر الإسلام وجدناهم كتلة واحدة توحدت غاياتها، وتوحدت عقيدتها، وتوحدت تقريبا جنسيتها، ولهذا كانوا قوة فتحت فأحسنت الفتح، ونظمت فأحسنت التنظيم. وليس يقوم للعالم الإسلامي قائمة إلا بهذا التوحيد في العقيدة وفي العمل، ولهذا دعا كثير من المصلحين إلى الجامعة الإسلامية ويعنون بها الرابطة التي تربط بين المسلمين في مختلف الأقطار من فرس وترك وعرب، وقد كانت كلمة مفزعة لأوروبا في القرن الماضي، وليس صحيحا ما قاله المرحوم سعد باشا زغلول: «إن صفرا وصفرا يساوي صفرا»، بل الصحيح أن: «ناقص خمسة في ناقص خمسة يساوي زائد خمسة وعشرين» فكل دولة وحدها قد لا تساوي شيئا، ولكنها جميعا تستطيع الوقوف أمام الاستعمار الأوروبي، وإذا كان الأوروبيون يتكتلون على الباطل لمحق المسلمين، فأولى أن يتكتل المسلمون على الحق لدفع كارثة الاستعمار، وقد كان أول من نادى بها في العصر الحديث السيد جمال الدين الأفغاني، وخلفه الشيخ محمد عبده، والسيد عبد الرحمن الكواكبي، غير أن طريقة السيد جمال الدين كانت قوية عنيفة؛ إذ كان يريد الثورة على الملوك والأمراء في الداخل، وإشعال نار الشعوب ضد الخارج، أما الشيخ محمد عبده فكان في ذلك هينا لينا يريد الجامعة الإسلامية من طريق التربية والتعليم، والسيد عبد الرحمن الكواكبي كان أقرب إلى السيد جمال الدين، وكان أشد فى محاربة الأمراء، وألف فى ذلك العهد كتاب «طبائع الاستبداد» ضد السلطان عبد الحميد، كما ألف أم القرى لرسم خطه الجامعه الإسلامية، ولم تطق أوروبا صبرا على جريدة العروة الوثقى التي كان يصدرها السيد جمال الدين في باريس، فأغلقتها بعد صدور العدد الثامن عشر، وكان السلطان عبد الحميد يحارب هذه النزعة أولا، ثم أراد أن يحتضنها وأهلها أخيرا؛ لما تبين له هو نفسه من نفعها، وكان الشيخ علي يوسف يبشر بهذه الدعوة في جريدة المؤيد؛ إذ كان ينشر فيها أخبار العالم الإسلامي، والآراء في تكتله، وكذلك مجلة المنار؛ إذ كانت تعبر عن آراء الشيخ محمد عبده، والسيد رضا، ثم خفتت الدعوة بوفاة السلطان عبد الحميد الذي كان يحميها.

وأيا ما كان؛ فقد أحس الأوروبيون بخطر هذه الدعوة، وحاربوها بكل قوتهم؛ بصحفهم ومؤتمراتهم وكل قوة لديهم؛ لما تبين لهم من قوتها وخطرها إذا تحققت، واستنجد بعض الأوروبيين الشعوب المسيحية طالبين إعانة سنوية، والنهضة بالمبشرين، وتعيين المبشرين الكبار في الجهات التي يوجد فيها مسلمون، ونشر الرسائل، وإنشاء مجلة لمقاومة فكرة الجامعة الإسلامية، ونشر جريدة لبيان الأفكار التي تطبع مؤيدة لها، وهكذا. وكان من نتيجة ذلك أن اجتهد رئيس المبشرين وهو المستر «زويمر» في عقد مؤتمر للنظر في هذه الحالة، فانعقد المؤتمر في سبتمبر سنة 1911م، وكان هذا الموضوع - موضوع الجامعة الإسلامية، وكيفية مقاومتها - من أهم موضوعاته، وخصص لجنتان منه لهذا الغرض. وقد افتتح الرئيس «زويمر» المؤتمر بأن بدأ يدعوه للبحث في الوسائل التي يمكن بها مقاومة الإسلام، وكان يتبع المؤتمر غرفتان عرضت فيهما الغرائب المتعلقة بالإسلام مع مطبوعات جمعية التوراة التبشيرية، واشترك في هذا المؤتمر 168 مندوبا و113 مدعوا عن أربع وخمسين جمعية تبشيرية، وعلى رأس المؤتمرين القسيس زويمر الذي تصفه جريدة فرنسية بأنه لا يهزم، وبأنه درس الإسلام في شعوبه، ومنع الصحفيون الإنجليز والأمريكان من شهود هذا المؤتمر، ولم توزع عليهم النشرات إلا بعد تنقيحها. وقد قال الرئيس في مجلة العالم الإسلامي: إن الإسلام تمخض في السنوات الخمس الأخيرة التي أعقبت مؤتمر مصر عن حوادث خارقة لم يسبق لها نظير، ففيها حدث الانقلاب الفارسي، والانقلاب العثماني، وفيها انتبهت مصر لحركتها الحاضرة، وعني المسلمون بمد السكة الحديدية، وتأسست في الهند مجالس شورية، ودخلت الأمور الإسلامية في قالب يلائم العصر، ازداد به التمسك بمبادئ الإسلام، وانتشر الإسلام في أفريقيا والهند الغربية والجزائر الجنوبية، وكل هذه الحوادث تحتم على الكنيسة أن تعمل بحزم وجد، وتنظر في أمر التبشير والمبشرين بكل عناية، وعلى ذلك فسيوضع برنامج للأمور الآتية:

يوم الإسلام · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٥١