تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد قلت محاضرة وأنا في السنة الثالثة من مدرسة القضاء سنة 1910 بمناسبة افتتاح السنة الهجرية، كان من رأيي إذ ذاك أن من أكبر أسباب انحطاط المسلمين الحكام ورجال الدين، ولا يزال هذا القول صحيحا إلى اليوم؛ فالحكام بيدهم زمام الشعوب وقد قال الله - تعالى:

ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل ، وقال:

وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ، وقد أساءوا إلى المسلمين من جهتين: فأولا من جهة تنازعهم على الخلافة أو الإمارة أو السلطة، وقد كان هذا العمل سلسلة في تاريخ الإسلام لا تنقطع من عهد أن اختلف علي مع أبى بكر، ثم اختلف علي مع عثمان ثم معاوية، ثم نكل السفاح بالأمويين وذبحهم وشردهم، ثم ما كان من الاختلاف بين المأمون والأمين حتى قتل الأمين، ثم ما كان من الخلاف بين السلجوقيين وتنازعهم على الملك، وتقاسمهم العلماء والأدباء، وتعريضهم للقتل أو النفي. ومن ناحية أخرى إمعانهم في شهواتهم ولهوهم، وجباية الأموال بالقتل أو المصادرة أو كثرة الضرائب، وعكوفهم على الخمر والنساء، وحسبك دليلا على ذلك أن كان يقدر ما يصرف على قصر يلدز في عهد السلطان عبد الحميد بألف جنيه كل يوم، مع أن قدرة الجنيه على الشراء وقتئذ أكثر من ثلاثة أمثاله اليوم.

أما العلماء؛ فمسئوليتهم من ناحيتين أيضا؛ الأولى: أنهم أذاعوا في عامة الشعب الأحاديث والتعاليم التي تؤيد السلاطين في عصورهم من مثل: السلطان ظل الله في أرضه، وأنه إنما يحكم بأمر الله وإرادته، وأنه إن ظلم فإنما يظلم بظلم الناس. ومن ناحية أخرى استخدامهم في تخدير الشعب ورضاه بحالته من طريق خطب يوم الجمعة في المساجد أو الدروس الدينية أو الوعظ والإرشاد وما إلى ذلك، قال الغزالى في الإحياء: «اعلم أن الخلافة بعد رسول الله

صلى الله عليه وسلم

تولاها الخلفاء الراشدون المهديون، وكانوا أئمة علماء بالله - تعالى - فقهاء في أحكامه، وكانوا مستقلين بالفتاوى في الأقضية؛ فكانوا لا يستعينون بالفقهاء إلا نادرا في وقائع لا يستغنى فيها عن المشاورة فتفرغ العلماء لعلم الآخرة، وتجردوا لها، وكانوايتدافعون الفتاوى وما يتعلق بأحكام الخلق من الدنيا، ويقبلون على الله - تعالى - بكنه اجتهادهم كما نقل من سيرهم، فلما أفضت الخلافة بعدهم إلى أقوام تولوها بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء، وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم؛ لاستفتائهم في مجاري أحكامهم، وكان قد بقي من علماء التابعين من هو مستمر على الطراز الأول، وملازم صفو الدين، ومواظب على سمت علماء السلف؛ فكانوا إذا طلبوا هربوا وأعرضوا، فاضطر الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات، فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء وإقبال الأئمة والولاة عليهم مع إعراضهم عنهم؛ فاشرأبوا لطلب العلم توصلا إلى نيل العز ودرك الجاه قبل الولاة، فأكبوا على علم الفتاوى، وعرضوا أنفسهم على الولاة فتعرفوا إليهم، وطلبوا منهم الولايات والصلات، فمنهم من حرم ومنهم من أنجح والمنجح لم يخل من ذل الطلب ومهانة الابتذال، فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن السلاطين أذلة بالإقبال عليهم، إلا من وفقه الله - تعالى - في كل عصر من علماء دين الله.

وقد أكثر الإقبال في تلك الأعصار على علم الفتاوى والأقضية؛ لشدة الحاجة إليهما في الولايات والحكومات، ثم ظهر بعدهم من الصدور والأمراء من يستمع مقالات الناس في قواعد العقائد، ومالت نفسه إلى سماع الحجج فيها فتغلبت رغبته إلى المناظرة والمجادلة في الكلام، فأكب الناس على علم الكلام، وأكثروا فيه التصانيف، ورتبوا فيه طرق المجادلات، واستخرجوا فنون المناقضات في المقالات، وزعموا أن غرضهم الذب عن دين الله، والنضال عن السنة، وقمع المبتدعة، وكان زعم من قبلهم أن غرضهم الاشتغال بالفتاوى الدينية، وتقلد أحكام المسلمين؛ إشفاقا على خلق الله ونصيحة لهم، ثم ظهر بعد ذلك من الصدور من لم يستصوب الخوض في الكلام، وفتح باب المناظرة فيه؛ لما كان قد تولد من فتح بابه من التعصبات الفاحشة والخصومات الفاشية المفضية إلى إهراق الدماء وتخريب البلاد، ومالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذهب الشافعي وأبي حنيفة - رضي الله عنهما - على الخصوص، فترك الناس الكلام وفنون العلم، وانثالوا على المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة على الخصوص، وتساهلوا في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد - رحمهم الله تعالى - وغيرهم. وزعموا أن غرضهم استنباط دقائق الشرع، وتقرير علل المذاهب، وتمهيد أصول الفتاوى، فأكثروا من التصانيف في الاستنباطات، ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات، وهم مستمرون عليه إلى الآن ، ولسنا ندري ما الذي يجد الله فيما بعدنا من الأعصار، فهذا هو الباعث على الإكباب على الخلاف والمناظرات لا غير، ولو مالت نفوس أرباب الدنيا إلى الخلاف مع إمام آخر من الأئمة، أو إلى علم آخر من العلوم لمالوا أيضا معه، ولم يسكتوا أيضا عن التعلل بأن ما اشتغلوا به هو علم الدين، ولا مطلب لهم سوى التقرب من رب العالمين. ا.ه.»

يوم الإسلام · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٤٩