تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فنرى من هذا أن خلفاء المسلمين لم يكرهوا أحدا على الدخول في الإسلام، بل تركوا كلا ودينه. ثم التزامهم نحو هؤلاء النصارى بالوفاء بالعهود، ثم حرص الخلفاء على التوالي على حمايتهم وإرضائهم ورفع الظلم عنهم. أرأيت معاملة للمخالفين خيرا من هذه المعاملة؟!

وقد رأينا أنه لما غزا التتار بلاد الإسلام ووقع كثير من المسلمين والنصارى في أسرهم، ثم عادت الغلبة للمسلمين ودان ملوكهم بالإسلام، خاطب شيخ الإسلام أمير التتار بإطلاق الأسرى، فسمح له الأمير التتاري بفك الأسرى المسلمين، وأبى أن يسمح بأهل الذمة، فقال له شيخ الإسلام لا بد من فك الأسرى من اليهود والنصارى لأنهم أهل ذمتنا، فأطلقهم له.

ومما كتبه عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص عامله على مصر: «إن معك أهل ذمة وعهد، وقد أوصى رسول الله بهم، وأوصى بالقبط فقال: «استوصوا بالقبط خيرا، فإن لهم ذمة ورحما» وقال

صلى الله عليه وسلم «من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته، فأنا خصمه يوم القيامة» فاحذر ياعمرو أن يكون رسول الله

صلى الله عليه وسلم

لك خصما، فإنه من خاصمه خصمه.» وكان آخر وصايا عمر ما كتبه لمن يخلفه من بعده: «أوصيه بأهل ذمة الله، وذمة محمد

صلى الله عليه وسلم

أن يوفي بعهدهم، ولا يكلفهم فوق طاقتهم، وأن يقاتل من ورائهم.»

نعم إن بعض اليهود والنصارى ظلموا على يد بعض الخلفاء والأمراء، وقسا بعض الأتراك عند فتحهم لبعض البلاد الأوروبية، ولكن هذا كان من جهة قليلا، ومن جهة أخرى كان ظلم هؤلاء الولاة والأمراء واقعا على المسلمين والنصارى على السواء، فكم لقي المسلمون من ظلم بعض الولاة والأمراء. وعلى كل حال، فأين ظلم هؤلاء من الظلم الذي أوقعه الإسبانيون بمسلمي الأندلس وفتنتهم عن دينهم، وطردهم لهم عن ملكهم، واغتصابهم تراثهم، وسفكهم دماءهم، حتى لم يبق لهم بعد بضع سنين باقية، وانحطت بعد ذلك مدنية الإسبانيين. وأين تعنت الأوروبيين مع المسلمين في كل العصور المتأخرة، على النحو الذي ذكرناه وسنذكره؟ الحق أن الفرق كبير بين معاملة المسلمين للنصارى، ومعاملة النصارى للمسلمين.

وحتى في عهدنا هذا لا يتمتع المسلمون بين النصارى بما يتمتع به النصارى واليهود بين المسلمين. ولكن على كل حال نرجو أن يثوب الأوروبيون إلى رشدهم، فيحققوا مبدأ الإخاء والمساواة الذي يدعونه.

نعم توالت الضربات على المسلمين في مختلف العصور وعلى أشكال متنوعة، ولكن كلما ضعف المسلمون رزقهم الله - من غير سعي منهم ولا قصد - بمن يجدد نشاطهم وينشط حياتهم، حتى إذا ضعف هذا الجديد حل محله جديد آخر. ولما اقتتل المسلمون أول الأمر كانت الدولة الأموية في أول أمرها قوة لا يستهان بها، فلما كان آخرها جاء العباسيون بقوتهم ثم ضعفوا، فجاء المغول كتيمورلنك وهولاكو وجنكيزخان فخربوا ودمروا، ولكن الإسلام استولى عليهم أكثر مما استولوا، فدخلوا في الإسلام أفواجا وكانوا في أول أمرهم قوة. وما زال خلفاؤهم الأتراك العثمانيون يفتحون ويعمرون حتى ضعفوا أخيرا، وليس يدرى إلا الله ما هي القوة الجديدة التي ستبعث في الإسلام والمسلمين روحا جديدة، ولكن الطوالع تدل على أن المصلحين من المسلمين سيتغلبون آخر الأمر، ويعيدون للمسلمين شبابهم بتجنب ما كان من غلطات في تاريخهم، ويكون شأنهم شأن الطبيب يعرف العلة وأسباب المرض ثم يضع العلاج. فإن سألت: لم تأخر المسلمون وتقدم الأوروبيون؟ فاعلم أن المسلمين تأخروا لكل الأسباب التي ذكرناها. لقد كان المسلمون الأولون مملوئين بالحماسة والروح وهذا سر قوتهم، والإسلام حتى فيما حكي عن غيره من الديانات كانت مزيته أنه ملأها قوة. فأصبحت تعاليم الإسلام بعد ذلك عبارة عن أشكال ظاهرة لا روح فيها؛ خلت الروح من الصيام والصلاة والحج وصارت مجرد أشكال.

يوم الإسلام · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٤٥