ومالنا نذهب بعيدا وقد سمعنا في الأيام الأخيرة في القتال في فلسطين بين اليهود والمسلمين أنه إذا انتصر المسلمون نادوا بوقف القتال، وإذا انتصر اليهود سكتوا. ويفعل النصارى الأفاعيل في المسلمين فلا يقال إنهم متعصبون، ويفعل المسلمون جزءا صغيرا مما فعله الأوروبيون فيرمونهم بالتعصب المقيت. والخلاصة أن فكرة الحروب الصليبية متغلغلة في نفوسهم، فإن خفيت في عقولهم فهي كامنة في وعيهم الباطن لا يصدرون إلا عنها، ولا يغفرون أبدا للمسلمين أنهم انتصروا عليهم يوما ما، كما لا يغفرون أيضا لهم نجاحهم في إدخال الناس في دينهم حتى من غير تبشير، وعجزهم هم حتى مع التبشير. وقد اجتمعت مرة جمعية الرابطة الشرقية، وأرادت إرسال بعثة طبية إلى جدة لمساعدة جرحى الحجاز في القتال بين الشريف الحسين بن علي وابن سعود، فوافقت على ذلك؛ لأنها كانت تناصر الحسين بن علي. فلما أرادت إرسال بعثة طبية أخرى لمساعدة الريفيين في مراكش أبت عليها ذلك؛ لأن المسلمين في نفس الحرب يحاربون الفرنسيين المسيحيين. والأمثلة على ذلك لا تحصى. فمن الغفلة أن نقول إن الحرب اليوم حرب سياسية لا دينية، لأن المظاهر كلها تدل على ما نقول، ولأن النصرانية وعداءها للإسلام كامنة في نفوسهم لم يزلها أي عامل، غاية الأمر أنها تحت ستار. وأوضح مثل لذلك أنهم عابوا على ملك إسبانيا قوله المتقدم؛ لأنهم يريدون أن يعملوا من غير أن يقولوا، ويستتروا من غير أن يظهروا، وإنما هي فلتات ومقارنات تدل على منحاهم، فليتعظ المسلمون. وإن ما يشيعونه من عدل وإخاء ومساواة ليس إلا فيما بينهم. أما الأجناس المسلمة فليس واجبا عليهم فيهم عدل ولا إخاء ولا مساواة. والحوادث ترينا أن المسلمين أكثر تسامحا وأقل تعصبا، فإذا تعصبوا فمقابلة للتعصب بالتعصب. هذا تاريخ صلاح الدين مع الصليبية: أيهم أكثر تسامحا وأقل تعصبا؟ وهذا الشريف الحسين بن علي، كان يقول القول ويحتفظ به، وكان الإنجليز يقولون القول في الظاهر، ويعملون ضده في الخفاء، وهذا وهذا مما لا يعد ولا يحصى.
إن المسلمين إذا أنسوا من شخص صدقا ووفاء وسلما جروا وراءه اتباعا لقوله - تعالى:
وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ، والمسيحيون إذا أنسوا من واحد غفلة وقعوا عليه وقوع الحدأة على العصفور أو الصقر على الحدأة.
لقد مر زمن كان المسلمون فيه هم الغالبين فحكموا النصارى واليهود حكما عادلا، لا نعرف في التاريخ مثله، تبعا لتعاليم الإسلام. نعم إن عمر بن الخطاب في أول عهده انتدب يعلى بن أمية لإجلاء النصارى من أهل نجران عن بلادهم، ولكن عذره في ذلك أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قال: «لا يجتمع في جزيرة العرب دينان»؛ لأن الإسلام يريد أن تكون جزيرة العرب حصن المسلمين ومنبتهم، وتربية الدعاة للإسلام فيها، وعدم اختلاطهم باليهود والنصارى. والدين غض طري. فأمر بإجلاء أهل نجران.
ومع ذلك فإنه لما أجلاهم عوضهم عن بلادهم بخير منها، وخيرهم في الجهات التي يريدونها؛ لم يشأ رسول الله أن يكرههم على الإسلام فتركهم وشأنهم؛ عملا بقوله - تعالى:
لا إكراه في الدين ، وصالحهم على مال معلوم يؤدونه كل سنة. وشرط عليهم ألا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به. ولما توفي رسول الله أقرهم أبو بكر على الشروط التي اشترطها عليهم الرسول. ولما حضرت أبا بكر الوفاة أوصى عمر بإجلائهم؛ لنقضهم العهد بتعاملهم بالربا، فكان أول عمل عمله أن يجليهم عن أرضهم، وأمر العامل الذي أرسله أن يعاملهم بالرفق ويشتري أموالهم، ويخيرهم عن أرضهم بأي أرض شاءوا من بلاد الإسلام. وكان مما أوصى به عامله: «ائتهم ولا تفتنهم عن دينهم، ثم أجلهم من أقام منهم على دينه، وأقرر المسلم، وامسح أرض كل من تجلي منهم، ثم خيرهم البلدان. وأعلمهم أننا نجليهم بأمر الله ورسوله»، وكتب لهم كتابا قال فيه: «أما بعد، فمن وقعوا به من أهل الشام والعراق، فليوسعهم من حرف الأرض، وما احتملوا من شيء فهو لهم، وكان أرضهم باليمن، فنزل بعضهم الشام، وبعضهم بناحية الكوفة.» وشكوا لعثمان لما استخلف ضيق أرضهم، ومزاحمة الدهاقين لهم، فكتب عثمان إلى عامله بالكوفة يوصيه بهم، ويأمره أن يضع عنهم مائتي حلة من جزيتهم. وكان قد فرض عليهم تقديم الحلل كجزية، ولما ولي معاوية شكوا إليه تفرقهم وموت من مات منهم، وإسلام من أسلم. فوضع عنهم مائتي حلة أيضا. فلما أتى الحجاج أعادهم إلى ما كانوا عليه، فلما ولي عمر بن عبد العزيز شكوا إليه ظلم الحجاج ونقصهم، فأمر بإحصائهم، فبلغوا العشر، فألزمهم مائتي حلة فقط. فلما ولي هارون الرشيد أعادوا الشكوى إليه من العمال فأمر أن يعفوا من معاملة العمال لهم، وأمر أن تكون معاملتهم مع بيت المال في العاصمة الإسلامية مباشرة.