وقد استولى الصليبيون على المسلمين وجعلوهم خدما أذلاء، واغتصبوا حقوقهم لما ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدى الناس، وأصبح المسلمون يفضلون آباءهم على الله ورسوله.
ولما نظر الصليبيون للإصلاح الذي قام به محمد بن عبد الوهاب، وما فيه من شدة وجفوة، وتقييد للحرية، وعدم تعامل بالربا اتهموا الإسلام بالتعصب الديني، مع أن هذا ليس نتيجة للإسلام. إنما كان نتيجة للبيئة البدوية التي نشأ فيها محمد بن عبد الوهاب.
والحق أن دين كل أمة نتيجة أيضا للحالة الاجتماعية التي يحياها قومها. فالبروتستانية حين نشأت كانت متعصبة تعصب محمد بن عبد الوهاب، فلما تغيرت حالة الأوروبيين الاجتماعية تغيرت الديانة البروتستانية.
هذا إلى أن جهل العالم الإسلامي وخلوه من العلماء كان سببا أيضا لهذا التدهور. ونعني بالعلماء، علماء العلم الحديث من طبيعة وكيمياء وغيرهما مما يساير العالم الحديث، فلا نزال إما سائرين على النمط القديم في الري بالساقية والشادوف، والزرع بالثور والجاموس، وإما مقلدين للأوروبيين فيما اخترعوا من غير تحسين أو ابتكار. وقد قيل: «إن ابتلاء الأمة بمجنون خير من ابتلائها بنصف عالم» ونصف العالم هو الذي يقلد ولا يخلق.
يضاف إلى ذلك إسراف المسلمين في الملذات والشهوات، ولا سيما الخمر والنساء وخاصة الأمراء. فقد ثبت في ذهن هؤلاء الأمراء أن الشعب ملك لهم، يتصرفون فيه كما يشاءون، وأن لهم أن يسخروهم في كسب ملذاتهم وشهواتهم. وعلماء المسلمين يتملقونهم ويغضون الطرف عن فسادهم.
ولذلك لما كان الملك صالحا كعمر بن عبد العزيز أحاط نفسه بعشرة من العلماء الطيبين، ينصحونه ويبصرونه بروح الإسلام ويسيرونه على الجادة.
ومن أهم أسباب ضعف المسلمين بخلهم عن التضحية، وهم يريدون النصر من غير إنفاق، ويعز عليهم الإنفاق؛ لأنهم يئسوا من النصر أمام العدو القاهر، وشحوا بالمال في أن يبذل في هذا السبيل. وإذا كانوا أشحاء بالمال فهم بنفوسهم أشح. وفي الحديث: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها.» قال قائل: «ومن قلة نحن يومئذ؟» قال
صلى الله عليه وسلم : «بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم. وليقذفن في قلوبكم الوهن» قال: «يا رسول الله وما الوهن؟» قال
صلى الله عليه وسلم : «حب الدنيا وكراهية الموت.»
وقد منع المسلمين من التضحية حب الدنيا وكراهية الموت. وقد رأينا في الحرب العالمية الأولى والثانية أن كل أمة نصرانية حافظت على نفسها، وبذلت من التضحيات ما بذلت للمحافظة على كيانها. حتى أن الأمة ولو كانت صغيرة أبت أن تنضم حتى إلى من كان من جنسها، فقد لبثت روسيا من مائة سنة إلى ثلاثمائة سنة تحاول إدخال بولونيا في الجنس الروسي، وحمل البولونيين على نسيان قوميتهم الخاصة بحجة أن الجنس السلافي يجمع بين البولونيين والروس ففشلت جميع مساعيها، واحتفظوا بشخصيتهم وقاتلوا عنها قتال الأبطال ولم يعجزوا عن المحافظة على استغلالهم. كما خاب الروس في إدماج أهل لتوانيا، وعجزوا هم والألمان عن إدخالهم مع أنهم لا يبلغون أكثر من أربعة ملايين، وكذلك فعل الصربيون والبلغاريون مع الأتراك.
وكانت الدماء في الحرب العالمية الأولى والثانية تجري أنهارا؛ حبا في الغلبة أو محافظة على الاستقلال، فلا يكون نصر أو استقلال من غير تضحية، فطمع المسلمين في النصر أو الاستقلال من غير تضحية بالأموال والأنفس طمع إبليس في الجنة، ولا يهولنك ما يقول المتشائمون الملحدون الجامدون من أن المسلمين لا طاقة لهم بحرب الأوروبيين؛ لأنهم يعجزون عن دفع ما عند الأوروبيين من مخترعات حديثة وآلات فتاكة ونحو ذلك. وليس عندهم من العلماء من يبتكر ويخترع كما عند الأوروبيين، فهذا قول مردود بأن عدد المسلمين الذي لا يقل عن أربعمائة مليون لو اتحدوا لأمكنهم أن يوجدوا علماء إذا صمموا، فلا ينقصهم ذكاء وعقل ولكن ينقصهم إرادة وعزم. وأنهم إذا وجد العلماء ووجد المال؛ وجدت آلات القتال لا محالة فدفعوا القوة بالقوة، ولهذا قال الله - تعالى: