وكانت فكرة الصليبيين في العداء للمسلمين مستمدة من الفكرة اليونانية، كما استمدوا منهم أدبهم وفلسفتهم، وهي أن العالم ينقسم إلى يونانيين وبرابرة، فاعتقدوا هم أيضا أن العالم ينقسم إلى سادة أوروبيين وعبيد من العالم الآخر.
وكان الظن أن يصحح المستشرقون من الأوروبيين هذا الموقف ببحثهم وعلمهم، ولكن تبين أنهم من نفس البيئة التي كونت الصليبيين.
وكان من الأسف أن يكون في طليعة هؤلاء المستشرقين مستشرقون مبشرون فأخذوا يستخدمون الإسلام في الطعن عليه أداة للتبشير، ويختارون الأشياء التي تثير الأروبيين على المسلمين كفكرة تعدد الزوجات وملك اليمين وحديث الإفك ... إلخ.
وجاء من بعدهم من المستشرقين غير المبشرين، فسلكوا مسلكهم واحتذوا حذوهم، ولم يسلكوا مسلك البحث النزيه المجرد بل كانوا يضعون الاتهام أولا، ثم يبحثون عن الأدلة التي تقوي هذا الاتهام فيما عدا القليل النادر منهم.
وكانت نتيجة هذا كله مأساة فلسطين؛ إذ تخلى عنها الإنجليز من غير إنذار للعرب، ومع تواطئهم مع الصهيونيين على ترك حيفا لهم وإنذارهم لهم بالاستعداد والمقاومة.
وزاد الخصومة شدة بين الأتراك والصليبيين توالي الفتوح، وتقدم الأتراك مدى نحو ستة قرون، فالملك أورخان استطاع بجيوشه الكبيرة المنظمة تنظيما جديدا أن يواصل فتوحه وحملاته في عنف متزايد على المدن الساحلية، وتوفي أورخان سنة 1362م وخلفه ابنه مراد، فاتجه نحو شبه جزيرة البلقان، واستمر في فتحه حتى سقطت أدرنه في يده سنة 1366، وحاول البابا أوروبانوس الخامس أن يدعو النصارى إلى حملة تنقذ أدرنه من يد المسلمين، ولكنه لم ينجح، وظلت بلاد البلقان تسقط واحدة إثر الأخرى، وفقد الصربيون استقلالهم، وحاولوا أن يشنوا غارة فانهزموا، واحتل العثمانيون بعد ذلك صوفيا ونيش 1385-1386 وأتم خير الدين باشا فتح مقدونية سنة 1385، وشيد الجامع الكبير المعروف بإسكي جامع.
ثم استولى العثمانيون على سرى، ومن هناك فتحوا سالونيك، وفي عهد محمد الثاني سقطت القسطنطينية سنة 1453، وحولوا كنيسة أياصوفيا إلى مسجد، ولم يقتض تكييفها إلا تعديلات قليلة لتوافق الشعائر الإسلامية فغطيت روائع الفسيفساء الذهبية التي تزين العقود وتمثل الفن البيزنطي أحسن تمثيل بطبقة من الكلس، وصنع محراب صغير في وسط جناح الكنيسة الجنوبي، وإلى يمين المحراب أقيم المنبر بشبكاته الخشبية المذهبة، وعلقت لوحات مستديرة كبيرة تنتظم اسم الله واسم الرسول وأسماء الخلفاء الراشدين بماء الذهب، وأنشئت في الخارج أربع مآذن، وعهد السلطان محمد للمهندس اليوناني خريستو دولوس بتشييد الجامع المعروف بجامع السلطان محمد الفاتح على أنقاض الكنيسة الرسولية التي كانت فيما مضى مدفن الأباطرة، فأتم الجامع من سنة 1463-1469 وكان هذا الانتصار من الأتراك المسلمين سببا في زيادة غضب النصارى عليهم وشركتهم في الانتقام منهم. وأعقبت - مع الأسف - حركة المد هذه حركة جزر، فانهزم الأتراك البحرية في لبانتى، وعقد السلطان سليم الثاني معاهدة صلح مع النمسا سنة 1568 وتعهد بدفع جزية سنوية مقدارها ثلاثون ألف دوقة.
ومع هذا ظل للأتراك قوة استولوا بها على جزيرة كريت. ولما تولى مراد الثالث بن سليم الثاني انغمس في الشهوات كأبيه، وترك لأمه وزوجته الإيطالية تصريف الأمور، وانصرف هو إلى الحريم، وفي سنة 1570 توجه العثمانيون إلى القوقاز وفتحوا تفليس، وخلف مراد الثالث على عرش السلطنة ابنه محمد الثالث، وأخيرا عقد الصلح مع الأتراك بمعاهدة سنفاتورك التي عقدت بين الأتراك وآل هابسبورج، ورفعت الجزية التي كان يدفعها الملوك العثمانيون، ثم شبت الثورات الداخلية بسبب أن جنود الإنكشارية فقدوا احترامهم لسلطة السلطان، وأصبح الجيش العثماني في حال لا تدعو إلى الاطمئنان، فظلوا في انهزام متواتر، وانتهز الفرصة فخر الدين الدرزي المعني في لبنان وجنبلاط الكردي في سوريا وناديا بالاستقلال، وفي سنة 1617 مات السلطان أحمد، وخلفه أخوه مصطفى فتنازل بعد ثلاثة أشهر لابن أخيه عثمان الثاني، ونشبت الحرب بين العثمانيين والبولنديين مما اضطر السلطان إلى أن يشترك بنفسه في القتال، فاضطر السلطان عثمان إلى عقد صلح مع العدو، وما انتهى القرن الثامن عشر حتى هزم الأتراك البحرية في لبانتى، وهزم الأتراك في فينا وأخرجوا من المجر.