تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجاء بطرس الأكبر فأشعل النار ضد الأتراك، وفتح أبواب البحر الأسود في وجه القيصر، وكان إلى ذلك الحين بحيرة عثمانية. وعقدت معاهدة بازارو ويج، وخسر الأتراك ممتلكاتهم في المورة وجزر الأرخبيل، ثم قامت الحرب الروسية التركية، فقد تقدم الروس سنة 1770 عبر الجوردان والأفلاق إلى أن بلغوا نهر الدانوب، واحتلوا كيليا وبندر وإيرائيل، وظهر في بحر إيجة لأول مرة أسطول روسي كبير لإشعال الثورة في الإيجيين، وأضرموا النار في الأسطول العثماني في خليج جشمه على ساحل آسيا الصغرى، وخيف على إستنبول نفسها من هجوم مفاجئ. وفي السنة التي تليها انتصر الروس انتصارا آخر؛ فاستولوا على بارقوم، وأخضعوا شبه جزيرة القرم كلها، وتنازل الباب العالي عن جميع مطالبه في بولندة.

وهكذا كان الإسلام وسياسة الأتراك في أوروبا مثارا للصليبيين ليعتمدوا عليهما في التنكيل بالمسلمين.

ثم كان القرن التاسع عشر فتجددت الحروب الصليبية، وكانت الفرصة للنصارى أسنح ؛ لأن تركيا بدأت في الضعف بعد القوة حتى سموها «الرجل المريض»، واتفقت دول أوروبا على تقسيم الشرق إلى مناطق نفوذ، وتطبيقا لهذه الخطة هجم نابليون على الشرق بتنظيماته الجندية الجديدة يقابلها سوء حالة الجيش العثماني، ففي يوليو سنة 1798 جند نابليون حملة على مصر بحجة واهية، وهي أن سوء إدارة المماليك كان يعرض ممتلكات الفرنسيين للخطر، فقضى على المماليك مؤقتا بما تم له من نصر قرب الأهرام، ثم كان من نتائج انتصار نلسن عند أبي قير أن جعل مركز الفرنسيين في مصر حرجا يتعذر الدفاع عنه.

وفي صيف سنة 1798 وجه السلطان سليم الثالث بضع سفن حاملة جنودا إلى مصر، وساعد محمد علي في المعارك التي تلت حتى أكره الفرنسيون على الجلاء، ولكن لم يكن للأتراك العثمانيين يد كبيرة في طرد الفرنسيين من مصر. وزاد الطين بلة أن محمد علي باشا أحس قوة جنده ونظامهم، وأنه أقوى من العثمانيين فهزم الأتراك في نصيبين، وانضمت فرق تركية بكاملها إلى الجنود المصرية، وكانت هذه الكارثة عظيمة الأثر السيئ على الأتراك والمسلمين جميعا؛ لأنه كشف ضعفهم وبين ما هم فيه من الفوضى وسوء الحال، فطمعت دول أوروبا في الاستيلاء على المملكة العثمانية، فتقدم الإيطاليون إلى طرابلس واحتلوها بعد أن كانت خاضغة لحكام إقليميين، ثم تقدم الفرنسيون إلى الجزائر وامتلكوها، واحتل الفرنسيون تونس ثم مراكش، واحتل الإنجليز مصر، وذهبوا إلى السودان، وسعى غوردون لتوطيد الحكم البريطاني المصري في السودان، وقضى كتشنر على إمبراطورية المهدي محمد بن عبد الله حسن المهدي، ثم قصدت أوروبا إخضاع فارس وأفغانستان، واصطدم محمد شاه بالبريطانيين في أفغانستان واقتسمت روسيا وبريطانيا النفوذ في فارس، وهكذا تقسمت أوروبا الشرق وحطمته كل تحطيم، ولم تسمح بأي حركة إصلاحية؛ لأنها عدت الإصلاح عدوا لها، فلما ساءت الحالة جدا بدأ الوعي القومي في البلاد الإسلامية كلها يتنبه بما فيه من خطر، وإذ ذاك ظهر زعماء إصلاح في كل قطر تقريبا، يسودهم كلهم التفكير في موقف قطرهم إزاء الغرب، وكيف الخلاص من هذا النفوذ الأجنبي. وكان كل زعيم ينادي بالإصلاح حسب منهجه ومزاجه: فمحمد بن عبد الوهاب مثلا ظهر في الحجاز، وكان من قبيلة تميم، ظهر في أواخر القرن الثامن عشر، وكان أهم مبادئ إصلاحه الرجوع إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، ودافع عن مبدأ الأخذ بالحديث، والاعتماد عليه كليا عكس ما فعل الفقهاء السابقون من أخذهم بالرأي، واقتنع بمذهب أحمد بن حنبل في اعتماده على الحديث، ودرس مؤلفات ابن تيمية، وكل هذا أقنعه بأن الإسلام لم يعد كما كان، وأن الأتراك شابوه بكثير من المساوئ، وأعاد الرجم للزاني والزانية، واكتسبت تعاليمه أنصارا كثيرين ومريدين، وأبطل الأضرحة وهدمها، وحرم لبس الحرير وأي زينة وزخرف في المساجد، كما تشدد في تحريم المسكرات وتحريم التدخين، ولكن يؤخذ على حركته التشدد والقسوة اللذان هما من طبيعة البدو.

يوم الإسلام · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٤٢