تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد وقعت الحرب حين ذلك لتعود بشكل أقسى، فإن هؤلاء الصليبيين ظهروا في سوريا بقيادة جودفري دي بويون وجماعة من الزعماء الفرنسيين والنورمنديين، وانتهزوا فرصة التناحر بين السلاجقة، وحاصروا أنطاكية، ثم سقطت في أيديهم بخيانة أحد الحراس، وكانت القدس تحت سلطنة المصريين ولكن ما لبثت أن سقطت في يد الصليبيين، وقبل ذلك سقطت الرها في أيدي بولدوين، وفي سنة 1101عهد إلى الكونت ريمون دي تولوز أن يفتح طرابلس الشام لتكون قاعدة لإمارة جديدة، ثم سقطت بعد حصار دام ست سنوات، وقد احتفظ الصليبيون بها نحو عام، حتى إذا جاء الربيع التالي من القرن الثاني عشر اعتز الإسلام بآل زنكي فناضلوا نضالا شديدا ضد النصارى، فكان أولهم عماد الدين زنكي وكان جنديا بارعا وسياسيا لبقا فوفق لهذه الصفات إلى توسيع رقعة سلطانه شيئا فشيئا، فلما توفي بكاه الناس بكاء مرا؛ لعدالته ورأفته برعيته والعمل لصالحهم، وقد أمكنه أن يأخذ الرها من يد النصارى بعد أن ظلت في أيديهم نحو نصف قرن، وقتل شهيدا وهو يحاصر عكبرة، ولما قتل اقتسم مملكته ابناه سيف الدين غازي، وقد استولى على الموصل والجزيرة حتى الخابور، ونور الدين محمود استولى على سوريا، وجعل قاعدته حلب، وهو الذي احتمل مسئولية محاربة الصليبيين، وكانوا قد عادوا فاستولوا على الرها على يد الكونت جوسلين، وأثار المسيحيون في البلاد الإسلامية ثورة داخلية لمساعدة الصليبيين فأخمدها نور الدين وقضى عليها.

وقد سبب سقوط الرها تحمس الأوروبيين من جديد، ووجد البابا أرجانيوس الثالث فرصة في ذلك لتهييجه العواطف ضد المسلمين، وساعده على ذلك أنه كان داعيا بليغا وخطيبا مؤثرا، ومع أن الحملة منيت بخسائر كثيرة بسبب الجوع والمرض، فلم يصل منها إلى الأرض المقدسة إلا فلول هزيلة، فقد اتجهوا نحو دمشق معتزمين فتحها مهما كلفهم ذلك، فلما ظهرت الجيوش الصليبية على أبواب دمشق استنجد الأمير الحاكم بنور الدين، ولكن الصليبيين اضطروا إلى رفع الحصار قبل أن تتقدم جيوش نور الدين إلى دمشق ... إلخ.

حتى جاء صلاح الدين وكان يعمل في خدمة نور الدين، فأزال الدولة الفاطمية من مصر، وطرد الصليبيين من بيت المقدس، بعد أن عاثوا فيها الفساد. وكان العداء الشديد بين الصليبيين والمسلمين، حتى أن فلاسفة أوروبا ومفكريها وأدباءها قد وضعوا لغزو المسلمين وفتح بلادهم نحو مائة مشروع قدموها للباباوات، وبعض هذه المشاريع تجارية ترى غزو المسلمين عن طريق التجارة لا الحرب، وأكثرها حربي يضع الخطط للغزو إما عن طرق مختلفة أو عن طريق واحد وهكذا.

وكما هدد الصليبيون الشرق بحملاتهم المتوالية عليه؛ فقد أفلحوا في طرد المسلمين من الأندلس بعد أن أصيب المسلمون بالتفرق والانحلال، وانسحب الصليبيون من الشام ليعودوا إليه في حملة أخرى إذا واتت الظروف؛ فإن عداءهم للمسلمين لا يفتر. قال صاحب مجلة العالم الإسلامي الفرنساوية: «العالم النصراني على اختلاف أممه وشعوبه عرقا وجنسية هو عدو مقاوم مناهض للشرق على العموم وللإسلام على الخصوص؛ فجميع الدول النصرانية متحدة معا على دك الممالك الإسلامية ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، والروح الصليبية كامنة في صدور النصارى كمون النار في الرماد، وروح التعصب لم تنفك حية معتلجة في قلوبهم حتى اليوم كما كانت في قلب بطرس الناسك من قبل، فالنصرانية لم يزل التعصب مستقرا في عناصرها، متغلغلا في أحشائها، متمشيا في كل عرق من عروقها، وهي أبدا ناظرة إلى الإسلام نظرة العداء والحقد والتعصب الديني الممقوت، وحقيقة هذا الأمر ونتيجته واقعتان في كثير من الشئون الخطيرة والمواضع الكبرى؛ حيث القوانين والشرائع الدولية لم تعامل فيها الأمم الإسلامية معاملة السواء مع الأمم النصرانية.

يوم الإسلام · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٣٩