وزاد الحال سوءا سوء الحالة الاقتصادية؛ فكانت هذه الحالة من أسوأ الحالات، يملك الحاكم أو الملك الأراضي ويعطي من شاء الإقطاعات ليزرعها في حياته مع حفظ رقبتها مملوكة للإمام كسنة عمر بن الخطاب، ثم أفرطوا في زيادة الضرائب وكثرة المصادرات والنهب والسلب حتى لم يستطع أحد أن يكون آمنا على نفسه وماله، وكل ما تحصل ينفقه الملك أو الأمير على شهواته من خمر ونساء وما إليها، حتى لا نستغرب من أول العهد الأموي إلى العباسي إلى الفاطميين إلى الأتراك معدل الوفيات في الملوك؛ فهو نازل جدا يقل عن مستوى العمر العادي لإفراطهم في شهواتهم.
والحياة الاقتصادية هي عماد الحياة الاجتماعية؛ فإن حسنت حسنت وإن ساءت ساءت، ولذلك كانت الحياة الاجتماعية سيئة بسوء الحياة الاقتصادية، وكان العلماء إنما يجدون رزقهم في الاتصال بالملوك والتملق إليهم، ومن لم يصل إلى بابهم كانت عيشته على وقف صغير وإلا عاش عيشة فقيرة، فليس ببعيد أن نقول إن مصائب المسلمين أكثرها من سوء تصرف الحكام من تملق العلماء، ولذلك كان الملوك غالبا يحتضنون العلماء، ويرتكزون عليهم، ويسخرونهم في مصلحتهم من تهدئة للرعية، وأن الله قسم الأرزاق فالغني غني بالقدر، والفقير فقير بالقدر، والسلطان ظل الله في أرضه، وظلم الملوك من ظلم الرعية، وهكذا من التعاليم التي تخدم الملوك وتسيء إلى الرعية وتفسدها بالتذلل والتملق والنفاق.
وقد قلنا من قبل إن عقيدة الألوهية صعبة إلا على الخاصة، وإن المسلمين لم يلبثوا أن نسوا الوحدانية، وعادوا إلى الوثنية، وكذلك كان؛ فقد عظمت القبور، وقدس الأولياء، واتخذت الأضرحة معابد، وعبد الحكام والأمراء من دون الله، ولذلك كان من دعاة الإصلاح مثل محمد بن عبد الوهاب، والشيخ محمد عبده، من هاجم القبور والأضرحة والأولياء والاستشفاع بهم عند الله؛ لأنهم رأوا هذه كلها بدعا دخلت في الإسلام فأفسدت العقيدة الصافية عقيدة الوحدانية التي تتمثل في «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وقد توسع المسلمون في هذا توسعا غريبا، فقدسوا باب المتولي وشجرة العذراء ونعل الكلشني ونحو ذلك، حتى تدنوا من ذلك إلى الحضيض، ونسوا أساس الإسلام، وأقيمت الموالد لإعظام شأن الأولياء وأصحاب الأضرحة، واخترعوا لكل شيخ مولدا تذبح الذبائح عنده، وتقرب فيه القرابين، ونحو ذلك مما لا يتفق مع الإسلام في قليل ولا كثير. وقد اهتم الإسلام بالعمل الصالح؛ فنجد القرآن دائما أو على الأقل في الغالب يقرن عمل الصالحات بالإيمان بالله، وهو يقصد بالعمل الصالح «الجهاد - والعدل - والشجاعة - ونحو ذلك من الفضائل» وبجانبها الشعائر الدينية من صلاة وصوم وزكاة وحج، فلما انهار المسلمون فقدوا الاهتمام بالعمل الصالح،ووجدت النزعات الصوفية التي يرى بعضها أن الأعمال الصالحة لا قيمة لها إذا تم الإيمان، بل وجد من الطوائف الصوفية طائفة الملامتية التي ترى أن لا يوجه اللوم إلى مرتكبي الجرائم لعل بينهم وبين الله صلة، كما وجد في الفلاسفة من نادوا بأن الايمان وحده يكفي المتفلسف، وإنما شرعت الأعمال للعامة لا للفلاسفة والخاصة. حتى الشعائر الدينية فقدت صبغتها الروحية وأصبحت مجرد حركات ميكانيكية لا تمت إلى القلب بسبب؛ فهي مجرد أعمال بهلوانية وحركات شيطانية.
ولما انحل العالم الإسلامي في الداخل انحلالا كبيرا بفضل الثورات بين شيعة وسنية وخوارج، وبين المذاهب من شافعية وحنفية وحنبلية، وبين العناصر من عرب وفرس وترك؛ أمكن العدو الخارجي أن يتقدم خطوات، وينال منهم، ويستولي على أراضيهم، فبعد أن كانوا يغزون وينهزمون أمام المسلمين أصبحوا يغزون ويتقدمون؛ بدءوا ذلك في عهد سيف الدولة الحمداني في حلب، وكان عهده أسوأ مثل للاستبداد من فرض ضرائب باهظة على الناس، وضم كثير من البلاد إلى ممتلكاته الخاصة، فانتزع حلب سنة 945 من أيدي الإخشيديين المتغلبين على مصر، وأراد أن يبسط سلطانه على دمشق ولكنه أخفق، غير أن حسنته الكبرى موقفه أمام البيزنطيين، وكانت الحرب أولا غزوات صيفية ومناوشات حول القلاع والحصون، وكان النصر فيها للعرب حينا وللبيزنطيين حينا، وقد سجل هذه الحروب في الانتصارات والانهزامات المتنبي الشاعر الكبير، وأبو فراس ابن عم سيف الدولة الذي كان عاملا على منبج ثم أسره الروم، وقال في ذلك قصائده الكثيرة المشهورة بالروميات المثيرة للعواطف، وكان العداء شديدا في هذه الحروب بين الصليبيين والمسلمين كما تدل على ذلك الكتب الإسلامية المؤلفة في الحض على الجهاد في ذلك العصر، وكما يدل على ذلك أيضا تحمس النصارى وشدة قتالهم، والنصارى يكرهون المسلمين ويعادونهم أكثر من عدائهم حتى لليهودية والوثنية، وما زال العداء مستمرا إلى اليوم بنصرتهم لليهود على المسلمين وانتزاعهم فلسطين من أيديهم.