كذلك كان من أكبر الثورات ثورة القرامطة في عهد الخليفة المعتضد، فسببوا هزة جديدة للعالم الإسلامي، وكان زعيم هذه الحركة يدعى حمدان قرمط، ويظهر أن هذه الكلمة آرامية معناها المعلم السري، أنشأ مركزا لأتباعه قرب واسط، وسماه دار الهجرة تقليدا لما فعله رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وكان من دعوته الشركة في الأموال، فكان المريدون يقيمون ولائم يسمونها ولائم المحبة، يشتركون فيها متبعين في ذلك على الأرجح فرقة الصابئة الغنوسطية التي كانت تسكن تلك الديار، ثم خلفه داعية أعظم هو ذكرويه الدنداني، وقد نجح في تحريك الأعراب المقيمين في حدود سوريا، وتسمى بأمير المؤمنين، وأفسدت القرامطة جميع المدن السورية، ولم يسلم من جيشهم إلا دمشق. وقام بعده أخوه أحمد بالخلافة ولكنه أسر وقتل في بغداد، وما هي إلا فترة قصيرة حتى وفق القرامطة إلى مد سلطانهم في بلاد العرب، وأنشئوا في منطقة البحرين مدينة جديدة عاصمة لهم سميت المؤمنية بدلا من «هجر» العاصمة القديمة، وحكموا هذه البلاد بدعوى أنهم مفوضون من قبل الإمام المستتر، وأخيرا استولوا على مكة، ونزعوا الحجر الأسود من الكعبة، وحملوه إلى المؤمنية بالأحساء، وظلوا فيها حوالي ثلاثين سنة. وهكذا كانت الثورات المخربة في كل قطر في العراق وفارس والشام ومصر وشمالي أفريقيا.
وجاء بعد ذلك الحشاشون، فكانوا ضغثا على إبالة، وجاءوا بعد أن ارتكب البويهيون كثيرا من المفاسد، وقاتل بعضهم بعضا قتالا عنيفا، وهذه الفرقة كانت من أكبر الأعداء الداخليين للبلاد الإسلامية، نشروا فيها الذعر سنوات طويلة، واتخذوا التشيع ستارا لمناهضة الحكومات المختلفة. وكان من أكبر دعاتهم الحسن بن الصباح، ويذكرون أنه كان في شبابه صديقا لنظام الملك وعمر الخيام، ورحل إلى مصر وتثقف ثقافة شيعية على يد الفاطميين، وعرف أتباع الحسن بالنزارية؛ لأنهم انحازوا إلى نزار بن الخليفة المستنصر الفاطمي، واتخذوا ملجأ لهم قلعة ألموت الجبلية على مسافة خمسين فرسخا شمالي قزوين، ونظم جماعته على الطريقة السرية التي عرفت بها الفاطمية، وقسمهم إلى درجات أعلاها المقربون، وعرفوا بالتعصب الشديد، ونشر في الأتباع أن في قتل رجل من أعداء الإيمان الحق وهو الإيمان الفاطمي؛ الخير كل الخير، فلهم إذا ماتوا رضوان الله وجنات النعيم، وسمي هؤلاء القتلة بالفدائيين، وكانوا يتعاطون الحشيش، ولذلك سموا بالحشاشين، ومدوا نفوذهم إلى فارس وسوريا، ولم تستطع الدولة السلجوقية أن تقضي عليهم، وقضوا هم على نظام الملك الوزير المشهور، وأوجدوا الرعب في نفوس الخلفاء والأمراء.
واستطاعوا أن يقوضوا أركان الدول الإسلامية المتداعية، وبسببهم وسبب المظالم والحروب القائمة بين الأسرة الواحدة انقضى حكم السلجوقيين في سرعة بالغة، وفقدوا سلطانهم فقدا تاما.
وكان من نتاج الدولة السلجوقية ظهور عالمين كبيرين، كان لهما أثران متناقضان، ولكنهما يتفقان في النتيجة، وهما: الغزالي وعمر الخيام. فأما الغزالي؛ فقد كان نهبا مقسما بين الدين والعقل، وأخيرا جذبته الصوفية إليها، وقضى إحدى عشرة سنة في عزلة كان معظمها في الشام، ألف في أثنائها كتاب إحياء علوم الدين، وقد ألف القلوب على الصوفية بعد أن كانوا مضطهدين، وكان لسنا بليغا قوي التأثير؛ فحبب التصوف إلى الناس مما شجعهم على التصوف وابتداع فرق متصوفة كثيرة، كما كان من آثاره الإيقاع كثيرا على نغمة الترهيب تقليدا للحسن البصري، وتخويف الناس من الموت وما بعد الموت، وتعظيم سلطان القضاء والقدر، وتفضيل الكشف على التجارب العقلية؛ فإن قلنا إن الإسلام الحاضر هو إسلام أبي الحسن الأشعري والغزالي لم نكن بعيدين عن الحقيقة.
وأما عمر الخيام؛ فقد نسب إليه من الأشعار ما حبب للناس الإباحية والعكوف على الخمر والنساء والأزهار، ويشك كثيرا في نسبة هذه الرباعيات إلى عمر لوجود بعضها في شعر شعراء آخرين، وعدم مناسبتها لما اكتشف من مؤلفاته في الفقه وما وراء الطبيعة وغيرهما.