تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمنقصة الثانية للعرب منقصة العصبية القبلية، فقد حارب الإسلام هذه العصبية، ودعا إلى الوحدة، وقال: ليس منا من دعا إلى عصبية أو قاتل عصبية، ومع ذلك ما لبث العرب أن عادوا إلى عصبيتهم كما كانوا في الجاهلية. والتاريخ الإسلامي مملوء بحوادث العصبية في الشرق والأندلس وحيث كان العرب.

قال ابن خلدون في أول الجزء الثالث مصدرا الكلام على الدولة الأموية: «كان لبني عبد مناف في قريش جمل من العدد والشرف لا يناهضهم فيه أحد من سائر بطون قريش، وكان فخذاهم - بنو أمية وبنو هاشم - حيا جميعا ينتمون لعبد مناف وينسبون إليه، وقريش تعرف ذلك وتسأل لهم الرياسة عليهم، إلا أن بني أمية كانوا أكثر عددا من بني هاشم وأوفر رجالا، والعزة إنما هي بالكثرة، وكان لهم قبيل الإسلام شرف معروف. ولما جاء الإسلام ودهش الناس بما وقع من أمر النبوة والوحي وتنزل الملائكة وما وقع من خوارق الأمور؛ نسي الناس أمر العصبية مسلمهم وكافرهم؛ أما المسلمون؛ فنهاهم الإسلام عن أمور الجاهلية كما في الحديث: «إن الله أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها؛ لأننا وأنتم بنو آدم، وآدم من تراب.» وأما المشركون فشغلهم ذلك الأمر العظيم عن شأن العصائب، ولذلك لما افترق أمر بني أمية وبني هاشم بالإسلام إنما كان ذلك الافتراق بحصار بني هاشم في الشعب لا غير، حتى كانت الهجرة، وشرع الجهاد، ولم يبق إلا العصبية الطبيعية التي لا تفارق وهي نعرة الرجل على أخيه وجاره في القتل والعدوان عليه، فهذه لا يذهبها شيء ولا هي محظورة، بل هي مطلوبة ونافعة في الجهاد. ثم إن شرف بني عبد مناف لم يزل في بني عبد شمس وبني هاشم، فلما هلك أبو طالب وهاجر بنوه مع رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، وحمزة كذلك، ثم من بعده العباس، والكثير من بني عبد المطلب، وسائر بني هاشم خلا الجو حينئذ من مكان بني هاشم بمكة، واستغلظت رياسة بني أمية في قريش، ثم استحكمتها مشيخة قريش من سائر البطون في بدر، وهلك فيها عظماء بني عبد شمس: عتبة، وربيعة، والوليد، وعقبة بن أبي معيط، وغيرهم.

فاستقل أبو سفيان بشرف بني أمية والتقدم في قريش، وكان رئيسهم في أحد وقائدهم في الأحزاب وما بعدها. وقد من رسول الله

صلى الله عليه وسلم

على قريش بعد أن ملكهم. وشكت مشيخة أمية بعد ذلك لأبي بكر ما وجدوه في أنفسهم من التخلف عن رتب المهاجرين الأولين، وما بلغهم من كلام عمر في تركهم شوراهم. فاعتذر لهم أبو بكر، وقال: أدركوا إخوانكم بالجهاد، وأنفذهم لحروب الردة فأحسنوا الغناء عن الإسلام. ثم جاء عمر فرمى بهم الروم، وأرغب قريشا في النفير إلى الشام، فكان معظمهم هنالك، واستعمل يزيد بن أبي سفيان على الشام، وطال أمد ولايته إلى أن هلك في طاعون عمواس، فولى مكانه أخاه معاوية، وأقره عثمان من بعد عمر، فاتصلت رياستهم على قريش في الإسلام برياستهم قبل الفتح، وما زال الناس يعرفون ذلك لبني أمية. ولما هلك عثمان واختلف الناس على علي كانت عساكر علي أكثر عددا لمكان الخلافة والفضل، إلا أنها من سائر القبائل من ربيعة ويمن وغيرهم، وجموع معاوية هي جند الشام من قريش شوكة مضر وبأسهم نزلوا بثغور الشام منذ الفتح، فكانت عصبيته أشد وأمضى شوكة، ثم كسر من جناح علي ما كان من أمر الخوارج وشغله بهم إلى أن ملك معاوية، وخلع الحسن نفسه، واتفقت الجماعة على بيعة معاوية عندما نسي الناس شأن النبوة والخوارق، ورجعوا إلى أمر العصبية والتغالب، وتعين بنو أمية للغلب على مضر وسائر العرب، ومعاوية يومئذ كبيرهم فاستوت قدمه، واستفحل شأنه، واستحكمت في أرض مصر رياسته، وتوثق عقده، وأقام في سلطانه عشرين سنة ينفق من بضاعة السياسة التي لم يكن أحد من قومه أوفر فيها منه يدا من أهل الترشيح من ولد فاطمة وبني هاشم وآل الزبير وأمثالهم، ويصانع رءوس العرب وقروم مضر بالإغضاء والاحتمال والصبر على الأذى والمكروه، وكانت غايته في الحلم لا تدرك، وعصابته فيها لا تنزع، ومرقاته فيها تزل عنها الأقدام.»

يوم الإسلام · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٣٢