فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ، ثم تمسكهم بالقول بخلق القرآن ونحو ذلك.
وقد كانت عقائدهم حرة، ولكن من الأسف أن اعتقنها بعض الخلفاء كالمأمون والواثق والمعتصم، فحملوا الناس كرها عليها، واستمعوا للدسائس تقال أو تحاك حول مشاهير العلماء، وامتحن الناس بخلق القرآن، والسلطة إذا تدخلت في شيء أفسدته، فكره الرأي العام ذلك، وعدوا بطلا كل من وقف في وجه الحكام ثم عذب أو أهين، وأخيرا جنت عليهم هذه القسوة؛ فاكتسح الرأي العام هذه العقيدة مع الأسف، وتملق المتوكل الرأي العام، فقضى على الاعتزال ونصر المحدثين، وهكذا من ضروب الفرق التي شتتت الإسلام وأهله، وأبعدته عن البساطة الأولى، وفرق كبير بين حجج القرآن وحجج اليونان؛ فحجج القرآن مبنية على المشاهدة وإشعار القلب بقدرة الخالق من مثل قوله - تعالى:
أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت ، وحجج اليونان مبنية على المنطق من مثل: هذا العالم حادث. وكل حادث لا بد له من محدث.
ونحو ذلك من ضروب الأقيسة المنطقية، وفعل الشعور في الإنسان أقوى من فعل العقل الذي يعتمد عليه مذهب المعتزلة. وكما حورب المعتزلة بواسطة الخلفاء كالمتوكل حوربوا أيضا من العلماء أمثال الأشعري، الذي تعلم على الجبائي المعتزلي، ثم رد على المعتزلة وشنع عليهم حتى دحرهم. ومع الأسف كانوا يمتازون إذا قورنوا بمنهج أهل الحديث بحرية العقل والتفكير، وعرض الإسلام على محك المنطق، ومن غير شك كان يكون أمر المسلمين أحسن حالا وأكثر حرية لو انتصروا على المحدثين؛ فإن انتصار المحدثين كان معناه - مع الأسف - الركود والاعتماد على النقل أكثر من الاعتماد على العقل، وعلى أقوال المؤلفين أكثر من المبتكرين، ولهذا قل أن تجد في المؤلفين مبتكرا، فإن عددت رجلا كابن خلدون أو جمال الدين الأفغاني عددت ندرة تقاوم وتحارب لا تؤيد وتعضد.
وطريقة الإسلام الاعتماد على ال
Induction ، أعني الاستقراء فهو يتتبع المسائل الجزئية ما أمكن، ثم يستنتج منها القاعدة الكلية، كما فعلوا في النحو والصرف؛ فكانوا يتبعون الجزيئات المعروفة؛ ليستنتجوا منها قاعدة «الفاعل مرفوع»، أما الفلسفة اليونانية أو فلسفة أرسطو فعمادها على ال
Deduction ؛ أي الاستنتاج، فهم يضعون القاعدة الكلية ثم يستنتجون منها النتائج الجزئية كقولهم: إن الأجسام تتمدد بالحرارة، فالحديد جسم؛ إذن فالحديد يتمدد بالحرارة ... وهكذا، وقد أدتهم طريقة الاستقراء هذه إلى الإمعان في الشك والتجربة، فنرى كثيرا مما كتبه الجاحظ في كتاب «الحيوان» يبتدئ بالشك ثم يعرض على محك التجربة، ولا بأس عنده أن يخطئ أرسطو فيما قاله، ويفضل عليه أعرابيا بدويا فيما قاله. وسار النظام على هذا حتى في الأحاديث النبوية فكان يشك فيها أولا، ثم يعرضها على مقتضى العقل ليعرف أصحيحة هي أم غير صحيحة؟ فكان الغزالي والجاحظ أسبق إلى الشك من ديكارت، وكان مسكويه أسبق من داروين في تقريره مذهب النشوء والارتقاء في كتاب «تهذيب الأخلاق»، وكان الطوسي أسبق من أينشتين في فهم الزمنية، غاية الأمر أن مواد العلم الأولية كانت لهؤلاء المتأخرين أوفر، والزمن لهم أعون، والحقائق عندهم أكثر اتضاحا، والتعبير أبين، ويسودهم مذهب التحليل أكثر من مذهب التركيب، فما يقوله علماء العرب في جملة يقوله المتأخرون من الأوروبيين في كتاب وهكذا. وقد نسبوا إلى روجر بيكون أنه أول من قال بالاستقراء في النهضة الأوروبية الحديثة ، مع أنه خريج الجامعات العربية في إسبانيا. وعيب العرب أنهم لم يجدوا من يمجدهم، ومزية الأوروبيين أنهم يمجدون دائما من يعلي شأنهم، وهكذا الشأن في ابن خلدون؛ فإنه سبق ديكارت في تأسيسه علم الاجتماع، والفرق بين كتب الاثنين أنه أيضا بنى كتابه على مذهب الاستقراء الذي سار عليه العرب أكثر مما سار على مذهب الاستنتاج الذي سار عليه الأوروبيون. •••