تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد ألف المقريزي كتابا لطيف الحجم سماه: «النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم»، وقد ذكر فيه ما يدل على أن النزاع بينهم قديم، فمثلا كانت المنافرة بين هاشم بن عبد مناف بن قصي وبين ابن أخيه أمية بن عبد شمس، وسببها أن هاشما كانت إليه الرفادة مع السقاية؛ لأن أخاه عبد شمس كان يسافر، وكان أمية يقيم بمكة، وكان أمية رجلا مقلا، ولعبد شمس ولد كثير فاصطلحت قريش على أن يولى هاشم السقاية والرفادة، وكان هاشم رجلا موسرا، وكان إذا حضر موسم الحج اعتبر الحجاج ضيوفه فأكرمهم وأطعمهم وسقاهم. وكان أمية قد صنع في الجاهلية شيئا لم يصنعه أحد من العرب: زوج ابنه أبا عمرو بن أمية امرأته في حياته وأبو معيط بن أبي عمرو بن أمية زاد في هذا المقت. ونافر حرب بن أمية عبد المطلب بن هاشم من أجل يهودي كان في جوار عبد المطلب، فما زال أمية يغري به حتى قتل وأخذ ماله في خبر طويل، وتمادت العداوة بين البيتين إلى أن بعث رسول الله

صلى الله عليه وسلم

فقام بمكة يدعو قريشا إلى توحيد الله - تعالى - وترك ما كانت تعبد من دون الله. فعاداه جمع كبير من أمية، ثم كان الحكم بن أبي العاص بن أمية، وكان عارا على الإسلام.

وكان رسول الله

صلى الله عليه وسلم

بمكة يشتمه ويسمعه ما يكره، ثم أسلم يوم الفتح فلم يحسن إسلامه، وكان مغموطا عليه في دينه. وما زال منفيا في زمن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

وخلافة أبي بكر وعمر، ثم أعاده عثمان، وكان ذلك مما أنكر الناس عليه، وكان أعظم الناس شؤما على عثمان. وقد مات في خلافة عثمان، وضرب على قبره فسطاط، وقالت له عائشة يوما: «أشهد أن رسول الله لعن أباك وأنت في صلبه.» وكان يقال له «طريد رسول الله»، وهو والد مروان بن الحكم الذي صارت الخلافة إليه بالغلبة. ومن ولد مروان هذا عبد الملك بن مروان، الذي يقول: «لست بالخليفة المداهن ولا بالخليفة المأفون.» يعني بالخليفة المداهن معاوية، وبالخليفة المأفون يزيد بن معاوية.

ومنهم أبو سفيان: صخر بن حرب بن أمية، الذي قاد الأحزاب، وقاتل رسول الله يوم أحد، وقتل كثيرا من خيار أصحابه؛ منهم حمزة بن عبد المطلب بن هاشم، وقاتل رسول الله يوم الخندق. فلما تمكنوا من الخلافة حكموا الناس بهذه العصبية، ونكلوا بالهاشميين بما كان بينهم منذ الجاهلية من عداوة. وظل الحال على هذا المنوال حتى زالت دولتهم، وكل هذا يفسر ما كان من خلاف بين علي ومعاوية، وقتل يزيد للحسين، وتوالي القتل على ذرية علي. ا.ه.

ثم انقسم المسلمون إلى فرق مختلفة تبلغ نحو السبعين؛ فرقة تتشيع لعلي وفرقة تتشيع للعباسيين وهكذا، وانقسمت كل فرقة إلى فرق مختلفة فرعية، سميت باسم خاص كالكيسانية والسبئية في التشيع، والنظامية والجاحظية في الاعتزال، وصبغوا أنفسهم بالصبغة الدينية بعد أن كانوا أحزابا سياسية تتنازع على الحكم.

وقد كان أمر المسلمين واحدا في صدر الإسلام، وفي الحديث: «إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة تفترق على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة» والمراد بعدد سبعين كثرة الخلاف كما في الآية:

إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ، فالإسلام دين التوحيد، وما أمر المسلمون إلا ليعبدوا إلها واحدا، ويكونوا أمة واحدة لا يفرقهم نسب ولا لغة ولا وطن، وقد نهوا عن التفرق كما نهوا عن الكفر، ولكن ظهر الإسلام في الأميين فلم تكد الأمم والشعوب تتبين تعاليمه حتى دخلوا فيه أفواجا، ثم جاء قوم مثقفون في أديانهم ودخلوا في الإسلام، وطبقوا بعض ما عرفوا منه على ما كانوا يعرفون من أديانهم، وفلسفوا الدعوة؛ فكان هذا كله من أسباب تفرق أهله شيعا ومذاهب ودولا، كل حزب بما لديهم فرحون، حتى عدوا على التوحيد نفسه بالتوجه إلى غير الله ودعوة سواه.

يوم الإسلام · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

يوم الإسلامص ٣٣