وأسرفوا في الترف والنعيم، وشرب الخمر، والنساء؛ تبعا للحالة الاجتماعية في زمنهم، وكان يمثل هذه الحالة تمثيلا صادقا بشار بن برد، ولذلك عد مجددا، وقرن بالمهلهل وامرئ القيس والنابغة الذبياني والأعشى وعمر بن أبي ربيعة. فأما المهلهل؛ فهو أول من هلهل الشعر أي رققه وحسنه، وأما امرؤ القيس فقد ابتكر التشبيهات البديعة، ووصف مجالسه مع النساء، وأما النابغة فقد ذكر أنه مخترع الاعتذارات، ووصف مجالس الملوك، وأما عمر بن أبي ربيعة فقد ابتكر وصف أحوال النساء في مجالسهن، وأما بشار فقد جدد الشعر مراعاة لزمنه مع جزالة ألفاظه ومتانة لغته، وذكره مفاخر القبائل وأيامها وانتصارتها، وهو مجدد أيضا لأنه ملأ شعره بالمعاني الجديدة، والعادات الحضرية من نسيب رقيق، وخمريات، وزهريات، وهجاء مقذع مع بعض العناية بالمحسنات اللفظية والمعاني العلمية. وقد سن ذلك كله للمولدين فقلدوه، ولكنهم لم يبلغوا شأوه، بل كل منهم اقتصر على ناحية واحدة من نواحيه؛ فسلم الخاسر وأبو نواس في جزالته، ومسلم بن الوليد في نسائياته، وأبو تمام في معانيه.
ثم أتى أبو نواس فتوسع في باب النساء والخمر بما لم يسبق إليه، وابتكر فن الغزل بالمذكر، فكان هذا كله خروجا على نمط الإسلام وتعاليمه في العفة وضبط النفس. وجرى الشعراء على أثره فقلدوه في غزله بالمذكر، حتى الفقهاء والصالحون، وقلده الصوفية حتى في خمرياته، وهذه نزعة جديدة لا يقرها الإسلام.
وقسم العباسيون بسياستهم الناس إلى أغنياء مترفين، وفقراء مدقعين، ولاهين لهوا تاما، وجادين جدا تاما ليحصلوا على قوتهم، فنرى نظام الطبقات واضحا كل الوضوح، فجنة ونار، ونعيم مفرط وبؤس مفرط، وإمعان في الترف للخلفاء والأمراء، ومن يلوذ بهم من الأدباء والعلماء، وبعض التجار، وإمعان في البؤس والفقر والشقاء لأكثر الناس. وحتى أغنى الأغنياء في كثير من الأحيان لم يكن محصنا بالأمان، بل هو عرضة لغضب الخلفاء والأمراء، فهم يصادرون في أموالهم، فقصور الخلفاء والأمراء وأمثالهم واسعة كل السعة، مترفة كل الترف، فابن المعتز يصف في ديوانه بنية للخليفة المعتضد اسمها «الثريا» فيقول:
حللت الثريا خير دار ومنزل
فلا زال معمورا وبورك من قصر
فليس له فيما بنى الناس مشبه
ولا ما بناه الجن في سالف الدهر
إلى أن يقول:
جنان وأشجار تلاقت غصونها
فأورقن بالأثمار والورق الخضر
ترى الطير في أغصانهن هواتفا
تنقل من وكر لهن إلى وكر
إلى أن يقول:
وبنيان قصر قد علت شرفاته
كصف نساء قد تربعن في الأزر
وأنهار ماء كالسلاسل فجرت
لترضع أولاد الرياحين والزهر
وميدان وحش تركض الخيل وسطه
فيؤخذ منها ما يشاء على قدر
عطايا إله منعم كان عالما
بأنك أوفى الناس فيهن بالشكر
وقد وصف الخطيب البغدادي قصر المقتدر بالله الذي تولى من سنة 295-320ه بمناسبة زيارة رسول الروم له قال: «إنه كان للمقتدر أحد عشر ألف خادم خصي من صقلبي ورومي وأسود، وهذا جنس واحد ممن تضمه الدار، فدع الغلمان الحجرية والحواشي من الفحول، وقد أمر المقتدر أن يطاف بالرسول في الدار، وفتحت الخزائن والآلات فيها مرتبة كما يفعل بخزائن العروس، وقد علقت الستور ونظمت جواهر الخلافة في قلايات على درج وشيت بالديباج الأسود. ولما دخل الرسول إلى دار الشجرة ورآها كثر تعجبه منها، وكانت شجرة من الفضة وزنها خمسمائة ألف درهم عليها أطيار مصنوعة من الفضة تصفر بحركات قد جعلت لها، فكان تعجب الرسول من ذلك أكثر من تعجبه من جميع ما شاهده، وكان عدد ما علق في القصور من الستور الديباج المذهبة بالطرز الذهبية الجليلة المصورة بالجامات والفيلة والخيل والجمال والسباع والطرد والستور الكبيرة البضغائية والأرمينية والواسطية والبهنسية السواذج المنقوشة والديبقية المطرزة 38 ألف ستر ... وأدخل رسل صاحب الروم إلى الدار المعروفة بخان الخيل، وهي دار أكثرها أروقة بأساطين رخام، وكان فيها من الجانب الأيمن خمسمائة فرس، عليها خمسمائة مركب ذهبا وفضة بغير أغشية، ومن الجانب الأيسر خمسمائة فرس عليها الجلال والديباج بالبراقع الطوال، وكل فرس في يد شاكري بالبزة الجميلة، ثم أدخلوا دار الوحش، وكان فيها من أصناف الوحش التي أخرجت إليهم قطعان تقرب الناس وتشممهم، وتأكل من أيديهم، ثم أخرجوا إلى دار فيها أربعة فيلة مزينة بالديباج والوشي على كل فيل ثمانية نفر من السند والزراقين بالنار، فهال الرسل أمرها، ثم أخرجوا إلى دار فيها مائة سبع: خمسون يمنة، وخمسون يسرة، ثم أخرجوا إلى الجوسق المحدث، وهي دار بين بساتين في وسطها بركة رصاص قلعي، حواليها نهر رصاص قلعي أحسن من الفضة المجلوة، طول البركة ثلاثون ذراعا في عشرين ذراعا، فيها أربع طيارات لطاف بمجالس مذهبة، وحوالي هذه البركة بستان بميادين فيها نخل وعددها 400 نخلة، وطول كل واحدة خمسة أذرع، وقد لبس جميعها ساجا منقوشا من أصلها إلى حد الجمارة بحلق من شبه مذهبة ... وفي جانب الدار يمنة البركة تماثيل خمسة عشر فارسا على خمسة عشر فرسا، قد ألبسوا الديباج وغيره، وفي أيديهم مطارد على رماح يدورون على خط واحد جنبا وتقريبا، فيظن أن كل واحد منهم إلى صاحبه قاصد. وفي الجانب الأيسر مثل ذلك. ثم أخرجوا بعد أن طيف بهم ثلاثة وعشرين قصرا إلى الصحن التسعيني وفيه الغلمان الحجرية بالسلاح الكامل، ثم وصلوا بعد ذلك إلى حضرة المقتدر بالله ... إلخ.»