وسار العباسيون سيرة الأمويين؛ من عصبية لبيت العباس ضد البيت الأموي، ومن فتك بالأمويين، وقتل كل من ظهر من الطالبيين، ولئن كان المثل الأعلى للخلفاء الأمويين هم الغساسنة، والمناذرة، ورؤساء القبائل في الجاهلية والإسلام؛ فقد كان المثل الأعلى للعباسيين هم الأكاسرة؛ ولذلك نقلوا العاصمة من دمشق إلى بغداد التي أسسوها في العراق، وكان البرامكة لهم كوزراء الفرس؛ إذ كانوا من أصل فارسي كهنوتي في نوبهار إحدى الصوامع البوذية في بلخ، وقد زعم بعضهم فيما بعد أن هذه الأسرة كانت من كهنة الفرس عبدة النار.
وكان اتساع المملكة الإسلامية في العهد العباسي سببا في تمزيقها إربا؛ فخرج كثير من الولايات عنها، ولم تعد الوحدة الإسلامية كما كانت، فتوالت الانتقاضات على عمل الخليفة، فانفصلت تونس والأندلس وابن طولون في مصر ... إلخ.
وتبع نشوء الولايات انحلال الخلافة على يد الأتراك، واستمرت عوامل الانحلال على توالى الأيام. وكان الإسلام في الأندلس وشمالي إفريقية كالإسلام في الشرق؛ عصبية لا تزال تثير القبائل إلى الحروب، غير أن عدو الشرقيين من الفرس والأتراك، وعدو الإسبانيين المسلمين من النصارى والمولدين، كانوا يثيرون الاضطرابات والفتن من حين إلى آخر، ولذلك ما لبثت الأمة الإسلامية أن ضعفت بعد القوة، فالموحدون الذين ضموا في ملكهم الأندلس وإفريقية كلها إلى تخوم مصر، وكانت مملكة واسعة لم تجتمع لأي من الدول الإسلامية من قبل ما لبثت أن أصابها الانحلال بسبب العوامل التي ذكرناها، وانتهى الأمر بطردهم على يد الإسبان من الأندلس.
وأحاط العباسيون الخلافة بنوع من التقديس الديني على النمط الفارسي، وشجعوا من الشعراء من أشاد بذكرهم، وأعلن أحقيتهم بالخلافة، وبذلوا العطاء لهم دون غيرهم. ويقول بعض المستشرقين: إن مبدأ انهيار المملكة الإسلامية كان على عهد الرشيد، والسبب في ذلك - على ما يظهر - أن الدولة الأموية قامت على العصبية العربية، فلما جاءت الدولة العباسية أذلت العصبية العربية، وأعلت شأن العصبية الفارسية، وخاصة لما أعطيت السلطة للبرامكة في عهد الرشيد. فلما جاء المعتصم أضعف العصبية العربية والفارسية معا بجلبه الأتراك والتعصب لهم، ورأى الأتراك أن سلطان الخلفاء يحارب العصبيات فخافوا على أنفسهم وأذلوهم، فمنهم من قتلوه ومنهم من سملوا عينيه حتى ضعفت الخلافة وزالت من الوجود. وإنما تحمل الرشيد هذه المسئولية؛ لأنه على يديه ويد ابنه المأمون كانت تقوية الفرس على العرب.
وكان أثر كثرة الفتوح وامتزاج العرب بالفرس وغيرهم من أهل الديانات الأخرى أن وجدت طائفة لا تفقه حقيقة الإسلام، وتريد أن ترجع دينها السابق فسمي هؤلاء الأخيرون «زنادقة». واجتهدت الدولة حفظا على عقيدة الإسلام أن تقتل وتسرف في القتل، وظهر ذلك أثناء القرن الأول الإسلامي، ثم بلغ ذروته في القرن الثاني؛ حيث كان مبدأ ظهور الدولة العباسية، وكان بطل هذا الميدان الخليفة المهدي ثالث الخلفاء العباسيين، وانتهز هذه الفرصة لمحاربة التعصب الفارسي والشعوبية. وبلغ منه أن قتل في وقعة واحدة مئات، وأحرق كتبهم، وكانت تدعو إلى مذهب ماني الذي يسمى أتباعه بالمانوية، وكان أكثر الزنادقة من أصل فارسي يتعصب للفرس، وقد سمى أبو جعفر المنصور ابنه محمدا بالمهدي؛ لإيهام الناس أنه المهدي المنتظر الذي يزعمه الشيعة، فتشدد المهدي في تقصي الزندقة والعقوبة عليها؛ زعما بأنه يرجع إلى عقيدة الإسلام الأولى وسيرة السلف، وقتل من أجل ذلك كثيرين، منهم: بشار بن برد، وصالح بن عبد القدوس، وغيرهما، وتسلح المهدي بهذا السلاح ليقتص من أعداء العباسيين، والموالين للأمويين بحجة الزندقة؛ كسبا للرأي العام فكان في ذلك إضعاف للإسلام، كما اتهم أكبر الناس عقلا، وأكثرهم حرية، وأصحهم تفكيرا بمثل ذلك، كعبد الله بن المقفع وأضرابه، وصارت الدولة تحارب كل من اتسم بحرية في الفكر، وذكاء في العقل، وطلب إصلاح للخليفة أو الدولة مما أضر الإسلام ضررا بليغا.