ثم عهد بالخلافة إلى ابنه يزيد ولو لم يكن أكفأ الناس، ثم ساس الناس سياسة ميكيافيلية استبدادية لا عهد للناس بها من قبل، وجرى المسلمون بعد ذلك على أثره من بيت عباسي بعد بيت أموي وهكذا. وضاع معنى الخلافة التي سار عليها الخلفاء الراشدون، كما ضاع معنى العدل الذي تشدد الإسلام في العمل والتعامل به، وأصبح الأمر أمر سياسة حسبما تتطلبه الغلبة، لا عدل حسبما يتطلبه الإسلام.
فلما جاء يزيد خرج الحسين بن علي عليه، واشتد الخلاف بينهما، وانتهى الأمر بقتل الحسين، وما كان يظن أن القوم يجرءون على قتله، وهو سبط رسول الله، وكان قتله فاتحة شر كبير على الإسلام؛ فقد قسم المسلمين: شيعة يلتهبون عاطفة لأهل البيت، وسنية يرونهم خارجين على سياستهم يستحقون عليها التأديب والقتل، وبكى المسلمون الحسين، ولا يزالون يبكونه ويتألمون بفجيعته إلى اليوم. وتعقد الشيعة في العاشر من المحرم اجتماعات مؤثرة فيضربون صدورهم بأيديهم وبالسلاسل، ويشجون رءوسهم بالحديد، فيهلك بعضهم. ومن ذلك الحين كان الشيعة ينصبون عليهم إماما من أهل البيت، والأمويون والعباسيون ينصبون عليهم خليفة من البيت الأموي أو العباسي، وكل يرى أنه أحق بالأمر، ويكون بين الإمامين صراع ينتهي بقتل الإمام الشيعي. وحسبك دليلا على شدة هذا الصراع أن الأمويين قتلوا في عهدهم ستة وثلاثين من أهل البيت. وسار العباسيون سيرتهم ففي عهد السفاح والمنصور قتل تسعة عشر رجلا من أهل البيت، وقد جمع أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الكبير «مقاتل الطالبين» - الذي يبلغ نحو ثمانمائة وخمسين صفحة - أسماء من قتلوا من غير ذكر لتاريخهم، ولم يكن ذلك إلا إلى عهده، وقد توفي سنة 356. وبعد قليل من مقتل الحسين كانت المأساة الأخرى، وهي قتل عبد الله بن الزبير في عهد عبد الملك بن مروان، ولم يمض على وفاة رسول الله
صلى الله عليه وسلم
إلا ثلاث وستون سنة، وولى عبد الملك الحجاج لمقاتلة ابن الزبير، فاستأذن في نصب المنجنيق على الكعبة، فنفر أخيارها، وهتك أستارها، ورمى أحجارها، وقال الشاعر:
خرجنا لبيت الله نرمي ستوره
وأحجاره، زفن الولائد في العرس
دلفنا له يوم الثلاثاء من منى
بجيش كصدر الفيل ليس بذى رأس
وكانت حادثة فظيعة؛ إذ جرؤ فيها الحجاج وجنده على رمي الكعبة بالمنجنيق، وكانت مقدسة مهيبة حتى قبل الإسلام، فكان الناس يتعجبون من الحجاج، ويقولون: «خذل في دينه.» ولما رمى الكعبة بالمنجنيق ارتجت ووهنت، وارتفعت سحابة ذات برق ورعد فسقطت صاعقة على المنجنيق وأحرقته، وقتلت من أصحابه اثني عشر رجلا، فذعر أهل الشام من ذلك، وكفوا عن القتال، فقال الحجاج: أنا ابن تهامة، وهي بلاد كثيرة الصواعق فلا يروعنكم ما ترون؛ فإن من قبلكم كانوا إذا قربوا قربانا بعثت نار فأكلته، فيكون ذلك علامة تقبل القربان. وأتى بمنجنيق آخر وعاود الرمي، وفي ذلك قال ابن الزبير الأسدي:
أيها العائذ في مكة كم
من دم أجريته في غير دم
إنه عائذة معصمة
وبه يقتل من جاء الحرم
واستمر في قتاله ورميه الكعبة حتى قتل ابن الزبير؛ إذ أصابته جراح فمات منها بعد أيام، وحمل رأسه إلى الحجاج، ثم إلى عبد الملك، وصلب جسمه في مكة، ولما مر عبد الله بن عمر بجسمه قال: «رحمك الله أبا خبيب؛ فقد كنت صواما قواما، ولكنك رفعت الدنيا فوق قدرها، وأعظمتها ولم تكن لذلك بأهل.» ثم إن الحجاج دخل المسجد ولم شعثه، وجمع أشلاء القتلى، وغسل دمه.
وكان مما أخذ على الحجاج أنه كان ينوي أشد من ذلك، فلما خرج من مكة إلى المدينة قال: «الحمد لله الذي أخرجني من أم الفتن، أهلها أخبث أهل، ولولا ما كان يأتيني من كتب أمير المؤمنين فيهم لجعلتها مثل جوف الحمار أعوادا يعودون بها ورمة قد بليت، يغولون منبر رسول الله وقبر رسول الله.» وانتهت المأساة بالجرأة على الكعبة بعد تقديسها، وانتهاك المسجد الحرام، والشهر الحرام، والبلد الحرام، وتزلزل الدين في نفوس المسلمين.