إن الأمم العجمية من روم، وفرس، وسريان، وعبرانية، وغيرهم، من لم يدخل في الدين منهم لا ظاهرا ولا باطنا، ومن دخلوا فيه ظاهرا فقط كانوا لا يألون جهدا ببث الدسائس؛ ليهدموا ذلك المجد العربي الذي شادته تلك الدعوة المحمدية على أيدي أنصارها الحقيقيين ومن دخل فيه ظاهرا وباطنا، كانوا جهلاء بهذا، ولم ينتزع من قلبهم حب عادات سالفة لهم قومية أو دينية.
فاختل بعض الاختلال ذلك المحيط الذي كان بالأمس أصح محيط على وجه الأرض، ولم يكن اختلاله في أيام أبي بكر ولا عمر إلا طفيفا، وأما في أواخر خلافة عمر فاشتد ذلك المرض الذي حاق بذلك المحيط، وما برح يشتد فيما بعد حتى سقطت قبة الخلافة في أواخر أيام علي. ويرى ولهاوزن أن من أسباب الفتنة قلة ما كان يوزع على المحاربين من الفيء، ولم يعوض عن ذلك كثرة الغنائم في الفتوح؛ بحجة أن المال هو مال المسلمين لا مال الله. وقد ابتدع عمر هذه الفكرة لتقوية مال الحكومة، ولكن أحدا لم يثر عليه لشدته وحزمه، فلما استلانوا جانب عثمان كانت الفرصة سانحة للثورة ...
ويرى رفيق بك العظم أن المسلمين لم يتلافوا أمر هذه الفتنة لأمرين؛ الأول: عدم توفر الشورى والاختيار في البيعة؛ بحيث أخذت الخلافة شكلا ترك ثغرة كبرى للولوج إليها من طريق القوة والتغلب، فأوجد نزاعا مستمرا من أجلها في الأمة أفضى إلى مصير الأمر ليد الغالب، والغالب لا يتقيد بالشورى ولا يجاري رغائب الأمة بالضرورة. والثاني: اصطباغ الدولة منذ نشأتها بصيغة دينية مهدت السبيل لأولياء أمر الأمة بعد الخلفاء الراشدين للأخذ على أيدي الرعية وأفواهها باسم الدين، وجعل الحياة السياسية للأمة حياة دينية لا سبيل معها لنوابغ الأمة وعقلائها للتنقل بها في مدارج الرقي الطبيعي الذي تقتضيه حالة كل عصر، سواء كان في حياة الأمم السياسية، أو حياتها الاجتماعية، لا سيما بعد أن قالوا بحرمة الاجتهاد، ووقفوا عند حد محدود من الفروع. وهذا ما جعل ذلك الضعف الكامن ينمو في جسم الأمة نموا جعلها تأنس بحياة السكون والاستسلام، وتعطي أزمتها إلى الأمراء والحكام حتى في عصر زال فيه الاعتقاد بوجوب الطاعة العمياء للأمراء وجوبا دينيا.
ومع هذا الخلاف الشديد بين المسلمين؛ فقد استطاع معاوية وأهل بيته من الأمويين أن يقضوا على هذه الخلافات بشتى الوسائل، ويؤسسوا إمبراطورية من أوسع الإمبراطوريات، تعلو فيها مآذن المساجد في الهواء، ويؤذن المؤذنون فيملئون الجو بأذانهم، وبذلك اتسعت رقعة العالم الإسلامي، فاستولوا على أكثر الأندلس، وفتحوا عددا من المدن في جنوبي فرنسا، وفي تمام المائة سنة بعد وفاة النبي
صلى الله عليه وسلم
كان العرب يحكمون مملكة واسعة أكبر من المملكة الرومانية، تمتد من حدود الصين إلى شلالات النيل السفلى، ومن الجنوب الغربي في أوروبا حتى غربي آسيا وأواسطها، وعاصمة هذه المملكة دمشق. كما استطاعوا أن يغيروا أكبر مظهرين من مظاهر المملكة، وهما: تحويل الدواوين إلى عربية، وتخلصهم من الدخلاء الذين كانوا يضطرون إليهم في تدوين الدواوين. والثاني صك النقود. وقد ظلوا طوال هذه العهود يتعاملون بالنقود الرومانية والفارسية، فلما اطمأنوا واتسع ملكهم بدءوا يصكون نقودهم بأنفسهم، وبذلك أصبحت هذه المملكة الواسعة مملكة بمعنى الكلمة، وقد بلغت هذه المملكة أقصى سعتها في هذا العصر الأموي ثم أخذت تنشق قليلا قليلا في العصر العباسي وفيما بعد ذلك من عصور.
وبمعاوية انتقل الأمر من خلافة إلى ملك عضود. والفرق بينهما أن الخلافة أساسها اقتفاء أثر الرسول
صلى الله عليه وسلم ، والاعتماد في حل المشاكل على شورى أهل الحل والعقد، واختيار الخليفة منهم حسب ما يرون أنه الأصلح. أما الملك فيشبه الملوك الأقدمين من فرس وروم، واستبداد بالرأي، وقصر الخلافة على الأبناء أو الأقرباء ولو لم يكونوا صالحين لذلك، وهذا كله ما فعله معاوية. ونموذج الخلافة ما قاله الأعرابي لعمر: «لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا» ونموذج الملك ما قاله عبد الملك بن مروان: «من قال بلسانه هكذا قلنا بسيفنا هكذا.» والحق أن معاوية ساد الناس بالغلبة لا بالاختيار، ثم استبد بتسيير الأمور.