وكان من رجالات الدولة الأموية عبد الملك بن مروان، وكان شديدا قويا، استطاع أن يقضي على الخلافات، وحكم بلاده حكما مطلقا، ودعا إلى بلاطه الأخطل الشاعر النصراني من قبيلة تغلب.
وفي عهد ابنه الوليد اتسعت الفتوح التي حصلت على يد قتيبة بن مسلم، فقد فتح فتوحا واسعة فيما وراء النهر، واجتاز العرب في الغرب في عهد الوليد جبل طارق، واستطاع أن يتخلص من النصارى الذين كانوا يحتكرون الأعمال الإدارية في الدولة، مثل: أسرة سرحون بن منصور التي كانت تسيطر على الشئون المالية من عهد معاوية إلى عهده، وبنى الجامع الأموي في دمشق؛ إذ كان المسلمون إلى ذلك الحين يكتفون بمسجد صغير متواضع، وعظمت في أيامه ثورة الخوارج، وثورة ابن الأشعث، وقاتلهم الحجاج حتى أخضعهم. ومن رجالات الأمويين أيضا عمر بن عبد العزيز، وكان أمة وحده، خالف الأمويين في نزعتهم واستبدادهم، فأحاط نفسه بفقهاء متضلعين في الإسلام يستشيرهم، ويعمل برأيهم، وكانت أمه تنسب إلى عمر بن الخطاب فسمته عمر، وكان يعتز بهذا النسب ويشرئب أن يسير سيرته في العدل، فلما بدأ خلافته رأى أن الإصلاح الداخلي للبلاد التي دخلت في الإسلام خير من الاستزادة في الفتوح، ولذلك أمر قواده بالتراجع، واستمال العلويين الذين كانوا مضطهدين أشد الاضطهاد من الأمويين، وصالحهم وأبطل سب علي الذي كان يجري على المنابر يوم الجمعة باستمرار، ورد إليهم بلدة فدك التي احتفظ بها النبي لنفسه في حياته، ولم يورثها أبو بكر وعمر فاطمة بنت النبي؛ استنادا على حديث: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة.»
كذلك استمال النصارى فعوضهم عن كنيسة القديس يوحنا في دمشق، التي كان الوليد وضع يده عليها، بكنيسة القديس توما في الغوطة، بعد أن كانت قد حولت إلى جامع، وخفف من الجزية المفروضة على النصارى في قبرص وأيلة، وعامل الموالي المسلمين معاملة العرب المسلمين؛ فرفع عنهم الجزية التي كان قد فرضها عليهم عمر بن الخطاب، وسمح للمسلمين أن يتملكوا الأراضي في البلاد المفتوحة، بعد أن كان عمر بن الخطاب أبى تمليكهم إياها، وجعلها ملكا للحكومة وهكذا؛ مما يدل على أن عمر بن عبد العزيز ليس مجرد مسلم صوفي متأله كما يدعي بعض المستشرقين، بل هو مسلم يعرف دقائق الأمور، ويواجه بهمة مشاكل الإصلاح، ولكن مع الأسف لم تطل مدته فمات. فخلفه يزيد الثاني ثالث أبناء عبد الملك، والروايات الإسلامية تصوره رجلا مستهترا، انغمس في اللهو والموسيقى، وشغلته القينات والمغنيات، وترك أمور الدولة، ومهامها إلى عملائه وأمراء الأقطار. وقد أسرف العباسيون في نسبة هذه الأمور إليه مع أن تاريخه كان حافلا بالأعمال الجدية الصالحة، فأصلح ديوان القبائل في مصر، وحاول أن يزيل المظالم التي كانت في عهد من قبله، وعامل النصارى معاملة قاسية غير التي عاملهم بها عمر بن عبد العزيز، فاستولى على كثير من كنائسهم، وحطم بعض تماثيلهم ... إلخ.
ومن أساطين الأمويين هشام بن عبد الملك، وقد ساعده على تنظيم الدولة والأخذ بزمامها خالد بن عبد الله القسري، الذي كان لهشام كما كان الحجاج لعبد الملك، وزياد بن أبيه لمعاوية من قبل.
وفي عهد هشام اندفع العرب في بلاد الغرب يتقدمون في الفتوح، فاستمرت الحرب تفتح في أوروبا إلى أن اصطدم بشارل مارتل بين تور وبواتيه في فرنسا سنة 732. وكان يعاب على هشام بخله وحمله ولاته على ابتزاز الأموال، وزيادة الخراج المفروض على نصارى قبرص، ومضاعفة الخراج المفروض على نصارى مصر مما أغضب الأهالي. وكان آخرهم مروان بن محمد الذي يلقب بمروان الحمار؛ لصبره ومقدرته على الاحتمال، وكان أميرا عظيما لولا أنه جاء والدنيا مدبرة. وحكم الأمويون البلاد حكما قبليا عربيا؛ فكانوا يقربون بعض القبائل، وينكلون بالأخرى، وولاتهم مثلهم.