صم بكم عمي
و
ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون ، وقال:
لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل
وقال:
إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون
وقال:
أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا .
ودعا إلى نوع من الغذاء يناسب العقل من النظر في آيات الله في السماء، وفي الأرض، وفي الفلك التي تجري في البحار، وفي اختلاف الألسنة والألوان، ونحو ذلك، فالله الذي مجد العقل هذا التمجيد لا يأتي بتعاليم تحجره وتجمده، بل كانت أفعال النبي
صلى الله عليه وسلم
في جمعه كبار الصحابة، وسؤاله بعضهم في مسائل دينية تدل على صحة هذا الاجتهاد؛ كالذي فعل مع عمر في استشارته في الأذان ونحو ذلك.
ولو بني الإسلام على أساس غير متين لطار كما طار غيره. نعم، إن الصين بقيت زمنا أطول منه على وثنيتها. ولكن، يلاحظ أن الصين كانت في قارة واحدة بينما كان الإسلام في ثلاث قارات، وأنها لم تحط بالأعداء من حولها كما أحيط هو، ففي وقت واحد كانت ضربات التتار وضربات الصليبيين وغيرهم.
إن العلم الحديث مع تقدمه الباهر لم يستطع أن يفسر أسرار الحياة، إلا نتفا هنا ونتفا هنالك، وعجز عجزا تاما عن تفسير الباقي.
أما الإسلام فقد استطاع أن يحيي في الإنسان الضمير الديني، ويحل به المشاكل كلها بحذافيرها، واستطاع أن يفهم ضم الحياة الأخرى إلى الحياة الدنيا، فيفهم من ذلك أن مجرما يسعد، ومستقيما يشقى؛ لأن هنالك ضميمة أخرى إلى الحياة الدنيا تحدث التعادل بين حياة المجرم والمستقيم. لكل هذه الأسباب، نرجو أن إحساس الغربي بالشقاء وبالعجز وبالحيرة عن فهم سر الحياة، يلجئه أخيرا إلى أن يرى المنقذ من كل ذلك، ولعله لا يجد غير الإسلام. •••
جاء بهذا الإسلام محمد
صلى الله عليه وسلم
وقد ولد في مكة عام 571م تقريبا، ومع أنه هو النبي الذي أدركه التاريخ؛ فإن كثيرا من أحداثه في طفولته وشبابه مجهولة كل الجهل، ومات أبوه قبل ولادته، وماتت أمه وهو في السادسة من عمره، ولما بلغ الثانية عشرة رحل مع عمه أبي طالب إلى الشام، فقابل في أثناء رحلته راهبا مسيحيا اسمه «بحيرا»، وتزوج وهو في الخامسة والعشرين من خديجة، وهي سيدة قرشية تناهز الأربعين من بني أسد، وكانت قد تزوجت قبل النبي بزوجين، وكانت ذات ثروة وجاه، فكانت من أوفر أهل مكة غنى، وكانت تستخدم رجالا من قريش كان آخرهم محمدا
صلى الله عليه وسلم
ولم يتزوج غيرها في أثناء حياتها فكفاه الله مئونة اليتم والفقر.
ألم يجدك يتيما فآوى * ووجدك ضالا فهدى * ووجدك عائلا فأغنى ، فلما كفي مئونة الفقر استطاع أن يتفرغ للتأمل، فكان يخرج إلى غار حراء، ويقيم فيها الليالي ذوات العدد، يتأمل فيما عليه العالم عامة، وقومه خاصة من ضلال مبين ولكن أين الصواب؟! وفي ليلة سمع صوتا يقول:
اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق ، ثم تتابع عليه الوحي، وذهب إلى بيته وقلبه يضطرب خوفا، حتى دخل على خديجة، وهو يقول: «زملوني زملوني»، ودخل عليها مرة أخرى، وهو يقول: «دثروني دثروني»، فآمنت به. وليس أدل على صدق الرجل من أن يؤمن به أقرب الناس إليه كخديجة وعلي بن أبي طالب، وقد أمر أن يبلغ قومه رسالته فبلغهم، فاستخفوا به وقالوا: ساحر أو مجنون، وما زال يدعوهم ويعذبونه، فلما ضاق صدره أمر بعض أصحابه أن يهاجر إلى الحبشة، فخرجوا في هجرتين؛ كانوا في الأولى إحدى عشرة أسرة، ثم لحقت بهم ثلاث وثمانون أسرة أخرى من بينهم أسرة عثمان بن عفان، فتلقاهم النجاشي بقبول حسن، ثم أسلم عمر بن الخطاب فأعلن إسلامه فوجد الإسلام فيه ناصرا قويا، وفي هذه الأثناء كانت حادثة الإسراء والمعراج. وفي سنة 620 قدم سوق عكاظ نفر معظمهم من الأوس والخزرج، فعرض عليهم محمد الإسلام فقبلوا وبايعهم، ووفد إليه في سنة 622 خمسة وتسعون منهم امرأتان، فبايعوه واحتكموا إليه في الخلاف الناشب بين الأوس والخزرج، فوفق بينهم، واتخذ يثرب مسكنا له ولقومه. وقد أمر نحو مائتين من أصحابه أن يهاجروا إلى المدينة، وأعد العدة بعد ذلك هو وأبو بكر للهجرة أيضا، وأوجد في المدينة لما هاجر إليها توحيدا سياسيا نظاميا، وآخى بين المهاجرين والأنصار، ثم اعترضوا قافلة تجارية كانت عائدة من رحلتها إلى الشام، فخاف أهل مكة؛ لأن هذا الطريق هو سبب معيشتهم، وانهزموا في بدر، ولم تصبر قريش على عار بدر، فحاربت المسلمين من جديد في غزوة أحد، وجمعت جموعها وعلى رأسهم أبو سفيان، وأصيب النبي