صلى الله عليه وسلم
في هذه الموقعة، فشج رأسه، وسال دمه، وهزم المسلمون فقالت قريش إن هذه بتلك. وفي سنة 627 تألفت أحزاب كثيرة من قبائل مختلفة توالي القرشيين، فنصح سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة، فمكثت الأحزاب شهرا تتناوش ثم انصرفت، وعاد محمد
صلى الله عليه وسلم
إلى المدينة، وناصب اليهود العداء؛ لأنهم كانوا يتآمرون مع الأحزاب، عرض عليهم الإسلام فلم يقبل بنو قريظة، فحكم الرسول بضرب أعناقهم، وأمر بني النضير بالجلاء. ونظمت حياة المسلمين بالمدينة تنظيما اجتماعيا قويا، وفي سنة 628 سار محمد يصحبه 1400 من المؤمنين إلى مكة ، وجرت بينه وبين القرشيين مفاوضات انتهت بتوقيع صلح الحديبية، وبعد سنتين من ذلك فتحت مكة، فدخل محمد الكعبة، وأمر بأصنامها فحطمت، وطهر البيت الحرام منها، وكان عددها على ما قيل يبلغ نحو 360 صنما، ولما أمكنه الله من قريش عفا عنهم وأطلق سراحهم. وفي السنة التاسعة من الهجرة أقام محمد
صلى الله عليه وسلم
حامية في تبوك على حدود غسان، وكثرت الوفود على المدينة حتى سميت: سنة الوفود، وفي السنة العاشرة للهجرة دخل محمد مكة ظافرا منتصرا في موكب الحج.
هذا من ناحية الأحداث، أما من ناحية ما عمله من إصلاح؛ فإنه بتعاليمه وتنظيماته استطاع - مع ما نشأ عليه من جو خانق وعبادات متعفنة - أن يوحد بين جزيرة العرب في لغتها ودينها، وأن يجعل الأمة العربية أمة بعد أن كانت قبائل لا تعرف معنى «أمة»، ورفع من شأن نصف المجتمع وهو المرأة، ولاقى في سبيل ذلك كثيرا فلم ييأس. وتعاليمه التي أتى بها تعاليم إنسانية لا تخضع لظروف الزمان والمكان، ومن أجل هذا كانت تعاليمه خالدة؛ فالإنسان أخو الإنسان والأبيض أخو الأسود، والملك أخو الرعية. وأوعز إلى المسلم أن يكون قوة فعالة لاستئصال الشر، وتعميم الخير، وتمام الانسجام بينه وبين من يعيش معهم، وطالب المسلم أن يحقق العدل، وأن يعيش لخير نفسه وخير من معه،ولأن تعاليمه إنسانية كانت دعوته موجهة إلى الناس جميعا؛ لا فرق بين شرقي وغربي، فالاجتهاد الذي شرعه كاف في تعديل التعاليم حسب البيئة والظروف، وهو بهذا مصلح لما فسد من الأديان، مقوم لما مال منها، ومن أجل هذا استطاع الإسلام أن يبقى مع مثل هذه الهزات التي أصيب بها المسلمون في مختلف العصور، وقد تعرض القرآن الكريم لبعض صفات الرسول مثل:
النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم ،
قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله ،
قل إنما أنا بشر مثلكم ،
قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ،
قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا * إلا بلاغا من الله ورسالاته ،
الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ،
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ،
ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم ،
فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمصيطر ،
قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ،
يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ،
واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ... إلخ الآيات.
كما وردت أحاديث صحيحة كثيرة لبيان بعض أخلاقه
صلى الله عليه وسلم
وربما كانت سيرته في المدينة - التي تعرض لها القرآن والأحاديث - أوضح من سيرته في مكة، ومع ذلك فلم يبدأ في تدوين سيرته إلا في أوائل القرن الثاني الهجرى حين كتب محمد بن إسحاق تاريخه، واختصره ابن هشام في سيرته. والمتتبع للسير في العصور المختلفة يتجلى له أنها عظمت وكبرت على مرور الزمان، حتى كأنها هرم مقلوب، وكل متأخر يجتهد في زيادة الأوصاف والأحداث عن المتقدم.