والنتيجة الثانية:
أن يقف المسلمون عند هذه النصوص ولا يتعدوها إلى الاجتهاد فيما لم تنص عليه، ونتيجة هذا الرأي إغلاق باب الاجتهاد.
فمن أجل هذا سمي القرآن تنزيلا، قال - تعالى:
وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين ، وقال - تعالى:
قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله .
وقد نزل الله القرآن على قلب محمد بهذه الطريقة مقسما في ثلاث وعشرين سنة على حسب ما كان يعرض من أحداث؛ فأحيانا تنزل الآية أو الآيتان في الموضوع، وأحيانا تنزل السورة كلها مرة واحدة كما حكوا عن سورة الأنعام. وكانت الآيات إذا نزلت تكتب وتحفظ إما في الصدور أو في السطور، ولذلك استنكر بعض المشركين هذه الحالة، فقالوا:
لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة .
ويظهر أنه أبيح للقبائل المختلفة أن تتلوه بلهجاتها، ومن ذلك نشأت القراءات المختلفة؛ وقد أجاز الرسول ذلك، وأجازه الصحابة من بعده.
والحق أن المسلمين الأولين انقسموا إلى قسمين: منهم من كان يرى الرأي الأول، ومنهم من كان يرى الرأي الثاني. وخير مثال على ذلك: عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر، فقد كان عمر جريئا في الاجتهاد، جريئا في إعمال العقل، حتى أنه كان يفهم النص ويفهم علته؛ فإذا انعدمت العلة قال بانعدام المعلول؛ كما فعل في آية «المؤلفة قلوبهم». وكان ابنه عبد الله يمثل المحافظين. وربما أيد الرأي الأول أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
أجاز عمر في اجتهاده، وأجاز معاذ بن جبل في اجتهاده أيضا عندما لم يكن نص. وربما أيد هذا الرأي أيضا ما ورد في القرآن الكريم من آية النسخ كقوله - تعالى:
ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ، ففي الثلاث والعشرين سنة تغيرت الظروف التي استدعت بعض الأحكام، ثم تغيرت الظروف فتغيرت بعض الأحكام. بل ربما كانت المسألة تحتاج إلى أمر، وتتغير الظروف فتحتاج إلى نهي، كالذي قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها»، وربما كان هذا هو السبب في أن بعض الآيات فيها حكم يخالف حكم الآية الأخرى، وقد اضطر المفسرون إلى النص على أن بعض الآيات منسوخ وبعضها ناسخ، فإذا حدث هذا في ظرف ثلاث وعشرين سنة في حياة النبي
صلى الله عليه وسلم
فما بالك إذا اختلفت السنون ومر أكثر من ألف عام، وتغيرت الظروف بالفتح الواسع، وتغيرت البيئات من حارة إلى باردة، ومن بداوة بسيطة إلى مدنية معقدة، وإلى معاملات لم تكن معروفة كالسلم ونحوه. وواجه المسلمون في القديم مدنيات قديمة كمدنيات الفرس والروم والهند ومصر، وفي الحديث المدنية الغربية معتقداتها وتراكيبها. ألا يظن الناظر أن النبي
صلى الله عليه وسلم
لو كان حيا وواجه هذه الظروف لنزلت عليه آيات كثيرة من آيات النسخ، والله الكريم الرحيم لم يخل الأمة الإسلامية من تشريع مرن يقابل هذه الحياة الجديدة بالاجتهاد المطلق . وكان من نعم الله أن وجد المجتهدون المختلفون أمثال أبي حنيفة والشافعي؛ ليواجهوا هذه المدنيات القديمة ويقابلوها بأحكامهم المستمدة من روح القرآن وتعاليمه. ولكن خلف من بعدهم خلف ضيقوا واسعا، وأغلقوا بابا مفتوحا؛
أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها .
ولذلك رمى بعض المستشرقين الإسلام بالجمود، وعذرهم في ذلك ما رأوا من عدم استعمال المسلمين عقلهم، ووقوفهم عند تقليد آبائهم، مع أن آيات الأحكام في القرآن، التي جاءت في التشريع قصدا قد لا تتجاوز المائة، وأحداث الزمان التي تتجدد في كل عصر وأوان تعد بالألوف.
ومما يؤيد ذلك دعوة القرآن الكريم إلى استعمال العقل مثل:
أفلا يتدبرون ،
أفلا يعقلون ،
إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ،
إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ، وشبه الذين لا يستعملون عقولهم بالأنعام، قال تعالى عنهم إنهم: