مراتبهم – بشرف النبوة والرسالة -، فإنهم لا يعلمون – من عالم الغيب – شيئاً إلا أن يطلعهم الله تعالى على شيء منه.(1)
وتبين من قوله - صلى الله عليه وسلم - : «وإذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر»، أن الرأي منه – كالرأي من غيره – في احتمال الخطأ ولكنه ليس كغيره، ومعلوم أن هذا فيما لم ينص عليه من أحكام الشرع.
2 – مجال الحروب والسياسة:
وهو من المجالات التي ثبت فيها اجتهاده - صلى الله عليه وسلم - ؛ والأمثلة على ذلك كثيرة ومتنوعة، نقلتها كتب الحديث والسيرة(2)
(1) - أصول السرخسي. 2/93.
(2) - منها: أ – ما حصل يوم بدر يوم خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - يبادر المشركين إلى الماء؛ فإنه جاء إلى أدنى ماء من بدر فنزل به، فقال الحباب بن منذر بن الجموح – مستفسراً -: "يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟" قال عليه الصلاة والسلام: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة»، قال: "يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فامض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثمّ نغوّر ما وراءه من القُلُب ثم نبني عليه حوضاً فنملأه ماءً، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون"، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « لقد أشرت بالرأي ». السيرة النبوية لابن كثير، أبي الفداء إسماعيل. ت: مصطفى عبد الواحد. بيروت، دار المعرفة.(1403هـ/1983م). 2/402.
... ب – إذنه - صلى الله عليه وسلم - للمستأذنين في التخلف عن الخروج للقتال في غزوة تبوك واعتذارهم بأعذار كاذبة، وفي هذا نزل قوله تعالى: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴾ (التوبة:43) . قال صاحب "التحرير والتنوير" (10/210) في تفسيره الآية الكريمة: « وافتتاح العتاب – بالإعلام بالعفو – إكرام عظيم ولطافة شريفة؛ فأخبره بالعفو قبل أن يباشره بالعتاب، وفي هذا كناية عن خفة موجب العتاب؛ لأنه بمنزلة أن يقال:ما كان ينبغي. وتسمية الصفح عن ذلك عفواً ناظر إلى مغزى قول أهل الحقيقة: "حسنات الأبرار سيئات المقربين"، وألقي إليه العتاب بصيغة الاستفهام عن العلة إيماءً إلى أنه ما أذن لهم إلا لسبب تأوَّله ورجا منه الصلاح على الجملة؛ بحيث يسأل عن مثله في استعمال السؤال من سائل يطلب العلم، وهذا من صيغ التلطف في الإنكار أو اللوم بأن يظهر المنكر نفسه كالسائل عن العلة التي خفيت عليه، ثم أعقبه بأن ترك الإذن كان أجدر بتبين حالهم، وهو غرض لم يتعلق به قصد النبي - صلى الله عليه وسلم - ».