تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صحيح أن أهل الظاهر قد أحسنوا – كما يقول ابن القيم – في اعتنائهم البالغ بالنصوص، والانتصار لها، وعدم تقديم غيرها عليها - سواء كان رأياً أو قياساً أو تقليداً - إلا أنهم أخطأوا من أربعة أوجه:

رد القياس الصحيح، ولاسيما المنصوص على علته.

تقصيرهم في فهم النصوص، لحصرهم الدلالة في مجرد اللفظ دون إيمائه وتنبيهه وإشارته ومعهوده عند المخاطبين.

تحميل الاستصحاب أكثر مما يتحمله؛ فهم - عندما سدوا على أنفسهم باب التمثيل والتعليل واعتبار الحكم والمصالح - احتاجوا إلى توسعة الظاهر والاستصحاب فحملوهما فوق الحاجة، ووسعوهما لأكثر ما يسعانه. (1)

(1) - إن أخذ ابن حزم بالاستصحاب وتركه الاجتهاد بالقياس - الذي يجعل الأشياء المتماثلة ذات حكم واحد - أدَّاه إلى غرائب، منها:

أن الأشياء لا تنجس إلا إذا ظهر للشيء النجس أثر مادي فيها كتغير لونها أو رائحتها أو طعمها؛ فإذا وقع شيء من ذلك في الماء ولم يكن هذا التغير، فالماء طاهر يصح شربه والوضوء منه، ولا يستثنى من ذلك إلا البول في الماء الراكد لورود نص فيه.(المحلى، ابن حزم، أبو محمد علي. ت: أحمد محمد شاكر. بيروت، دار الفكر. (د.ت).1/135)

أن سؤر الكلب – وهو الماء الباقي بعد شربه – نجس، ولا يتم تطهير الإناء الذي ولغ فيه إلا بغسله سبعا إحداهن بالتراب الطاهر؛ لأن النص قد ورد بذلك، بينما يقرر أن سؤر الخنزير طاهر يصح شربه والوضوء منه. ومن العجيب أنه يفرق بين أكل الكلب من الإناء وبين شربه منه، بل الأعجب من ذلك أن يفرق بين الشرب وبين وقوع الكلب كله في الإناء. والكلب قذر بكل حال؛ وقد أثبت الطب الحديث أنه يحمل كثيراً من الأمراض الخبيثة المعدية للإنسان، والتوقي منه ضروري مصداقا لما يفهم من معاني الشريعة في هذا الباب، لاسيما وأن النظافة من الإيمان. (المحلى وهامشه 1/109).=

أن بول الإنسان في الماء الراكد ينجسه، بينما بول الخنزير لا ينجسه؛ لأن النص لم يرد إلا في بول الإنسان، فلا يقاس عليه بول الحيوان ولو خنزيراً. (المحلى 1/139).

الاجتهاد بين التأصيل والتجديد · الصفحة ٨٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الاجتهاد بين التأصيل والتجديدص ٨٤٢