- ، وذلك لسيادة العقلية البلاغية اللغوية خلال عصر التدوين – كما يبرر رواد هذا الاتجاه - ، وهي عقلية توحي بتعامل يجزئ النص ويلاحظ معاني المفردات، في حين أن المرحلة الراهنة قد تميزت بسيادة عقلية الإدراك المنهجي للأمور والبحث عن العلاقات بطرق تحليلية ونقدية توظف الأطر العلمية المختلفة وتربطها بموضوعات حضارية متشعبة. (1)
ويؤكد أرباب هذا الاتجاه أن في القرآن الكريم منهجية معرفية تضبط قوانين الأفكار وتقننها، وبدون هذا التقنين يتحول الفكر – كما يقول أبو القاسم حمد -إلى مجرد تأملات وخاطرات انتقائية. (2)
(1) - م.س. ص 78.
(2) - بنى أبو القاسم حمد نظريته [ المنهجية المعرفية ] على تقسيمه تطور العقل البشري إلى ثلاث مراحل أو أطوار:
الطور الأول: وساد فيه النمط العقلي الإحيائي الذي يضفي الظاهرة الإنسانية الحية على الظاهرة الطبيعية، وقد امتد هذا الطور إلى إبراهيم عليه السلام.
الطور الثاني: تطور فيه العقل إلى مرحلة الربط بين الظواهر، فحلت الثنائية مكان التجزئة (الثنائية التي تربط بين "الذكر والأنثى"، "الليل والنهار"، "الشمس والقمر"). ويعد العهد النبوي وما تلاه داخلا في إطار هذا الطور؛ لذا عبّر عنه بقوله:« التفسير الإسلامي لم يتجاوز طور الثنائيات، أي مركب ضمن مرحلة تطور العقل البشري الثنائي ». والطوران المذكوران يمثلان ما أسماه:"العالمية الأولى".=
الطور الثالث: وهو الأكثر نضجاً – في نظره -؛ لأنه – كما يقول عنه -: « يضع نظاماً منهجياً لكل الحركة، حركة الظواهر، ويعطيها بعداً عضوياً موجوداً يعطي فهماً متطوراً للآية، ولكن دون النسق الثنائي. وحين يأتي النسق التوحيدي يقضي على الثنائية الميكانيكية للعلاقة بين الثنائيات ويعطيها معنى الوحدة المنهجية الجدلية، فهذا هو الطور الثالث». وقد أسماه "العالمية الثانية"، وعدَّ القرن الخامس عشر الهجري بداية هذه العالمية. العالمية الإسلامية الثانية. 2/478.
إن هذا التقسيم الذي ذهب إليه أبو القاسم حمد ليس له أي أساس منهجي؛ إذ كيف له أن يدعي أن ما قبل عصر إبراهيم عليه الصلاة والسلام تميز بسيادة العقلية الإحيائية الأنيمية التي هي أدنى درجات التفكير العقلي، وأن ما بعد إبراهيم عليه السلام إلى القرن الخامس عشر الهجري هو عصر العقلية الثنائية بما فيه عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ ولعل ما يفسر مذهبه هذا تأثره الواضح بالنظرية الداروينية ( نظرية النشوء والارتقاء) التي بدت معالمها في بعض تفسيراته حول تكوين النفس الإنسانية حيث يقول في هذا الصدد: «...فالكون المرئي يلد نتاجاً غير مرئي عبر التفعيل الكوني الثنائي (الشمس، القمر) (النهار، الليل) (السماء، الأرض) (النفس) فالنفس نتاج تفعيل كوني جدلي لظاهرات الطبيعة الكونية المتقابلة، فهي مركب ثالث، ولذلك – وهذا أخطر مبدأ معرفي – تملك هذه النفس (قابلية الاختيار) لأنها مركبة على أساس الانقسام الكوني وتفاعله الجدلي». العالمية الإسلامية الثانية2/386؛ والبعد الزماني والمكاني وأثره في التعامل مع النص الشرعي، سعيد بوهراوة. عمان، دار النفائس. ط:1.(1420هـ/1999م). ص130.