وقال ابن المقفع: الصبر صبران , فاللئام أصبر أجساماً , والكرام أصبر نفوساً , وليس الصبر الممدوح صاحبه , أن يكون الرجل قوى الجسد على الكد والعمل , لأن هذا من صفات الحمير , ولكن أن يكون للنفس غلوباً , وللأمور متحملاً , ولجأشه عند الحفاظ مرتبطاً. (1)
وللصبر مراتب أربع (2)
إحداهما: مرتبة الكمال: وهى مرتبة أولى العزائم , وهى الصبر لله وبالله , فيكون فى صبره مبتغياً وجه الله صابراً به , متبرئاً من حوله وقوته , وفهذا أقوى المراتب وأرفعها وأفضلها.
الثانية: أن لا يكون فيه لا هذا ولا هذا , فهو أخس المراتب , وأرادأُ الخلق , فهو جدير بكل خُذلان وبكل حرمان.
والثالثة: مرتبة من فيه صبر بالله , وهو مستعين متوكل على حوله وقوته , ولكن صبره ليس لله , إذ ليس صبره فيما هو مراد الله الدينى منه , فلهذا يُنال مطلوبه , ولكن لا عاقبة له , وربما كانت عاقبته شر العواقب , وفى هذا المقام خفراء الكفار وأرباب الأحوال الشيطانية , فإن صبرهم بالله , لا لله ولا فى الله.
الرابعة: من فيه صبر لله , لكنه ضعيف النصيب من الصبر به , والتوكل عليه , والثقة به , فهذا له عاقبة حميدة , ولكنه ضعيف عاجز مخذول فى كثير من مطالبه , لضعف نصيبه من ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ , فنصيبه من الله أقوى من نصيبه بالله , فهذا حال المؤمن الضعيف.
1 - أدب الدنيا والدين ص 213
2 - مدارجح السالكين 2/ 169