المبحث الأول
في شروط الوقف ذات الصلة المباشرة في المسائل المستجدة موضوع البحث
المطلب الأول
تأبيد الوقف
ذهب الحنفية (1) إلى أنه يشترط في الوقف أن يكون مؤبداً، ولايجوز النص على تأقيته، قال الخصاف:"لو وقف داره يوماً أو شهراً لايجوز؛ لأنه لم يجعله مؤبدا، وكذا لو قال على فلان سنة: كان باطلاً، وفصّل هلال بين أن يشترط رجوعها إليه بعد الوقت فيبطل الوقف أو لا فلا، وظاهر ما في الخانية اعتماده " (2).
وهذا فيما يكون قابلا للتأبيد، بأن تكون العين الموقوفة صالحة للبقاء ليُمكنَ تنفيذ حكم التأبيد فيها، ولذا قرّروا أنّ الأصل في الوقف أن يكون عقاراً، وجواز وقف غير العقار يجيىء على خلاف الأصل، فيجوز وقف المنقول في أحوال استثنائية، فإذا خشي على المنقول الفناء فقد أجازوا استبداله ليكون الاستبدال طريقاً لبقاء الانتفاع به، وبذلك جمعوا بين تأبيد الوقف وجواز وقف المنقول في صور استثنائية، حتى إنهم قالوا: لو جرى العرف بجواز وقف الدراهم والدنانير، وهي لايمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، استبدل بها عقاراً أو نحوه ممّا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه (3).
ويرجع تشديدهم في اشتراط التأبيد في الوقف إلى أنّ الأصل الذي قام عليه الوقف هو حديث سيدنا عمر -رضي الله عنه-، والموقوف فيه كان عقاراً، وقد قصروه على ذلك النص.
واختلفوا في اشتراط ذكر التأبيد في الصيغة:
فذهب محمد بن الحسن إلى أنه يشترط ذكر التأبيد في الصيغة (4).
وذهب أبو يوسف (5) إلى أنه لا يشترط ذكر التأبيد، ويكفي أن تخلو الصيغة من التأقيت؛ لأنّ لفظ الوقف دالّ على التأبيد.
وذهب الشافعية (6) والحنابلة (7) إلى أنه يشترط في الوقف أن يكون مؤبداً، ولا يشترط عندهم ذكر التأبيد في الصيغة.
ولمّا اشترط الشافعية والحنابلة التأبيد في الوقف مع قولهم بجواز وقف المنقول، وهو لا يتأبد غالباً، فقد ورد على قولهم إشكال مفاده: كيف يمكن بقاء الوقف مؤبداً مع أنّ المنقول قابل للإتلاف، وغير صالح للدوام؟
وللشافعية في الإجابة على السؤال وجهان:
(1) فتح القدير: ابن الهمام (5/ 48)، والبحر الرائق (5/ 204).
(2) البحر الرائق (5/ 204)، فتح القدير (5/ 51).
(3) محاضرات في الوقف: العلامة الشيخ محمد أبوزهرة (ص117 - 118) بتصرف.
(4) 4 ( ... البحر الرائق (5/ 204).
(5) 5 ( ... البحر الرائق (5/ 204).
(6) حاشية البجيرمي على الخطيب: سليمان البجيرمي (3/ 251)، وأسنى المطالب شرح روض الطالب: زكريا الأنصاري (2/ 463).
(7) المغني (6/ 570)، وكشاف القناع: البهوتي (2/ 446).