تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الوجه الأول: أن ينتهي الوقف إذا تلف المنقول، وعليه فإنّ معنى التأبيد عندهم يكون في كل عين بما يناسبها؛ فما يكون غيرقابل للفناء عادةً، يكون دوام الوقف فيه إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، وما يكون قابلاً للفناء يكون بمقدار فنائه (1).

وقد ذهب الحنابلة إلى جواز الاستبدال عند التلف (2).

الوجه الثاني: يتفق مع ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة من جواز الاستبدال بعين أخرى، تحلّ محل العين التي ستتلف.

وذهب المالكية (3) والشيعة الإمامية (4) إلى أنه لايشترط في الوقف التأبيد، فيجوز الوقف لسنة أو أكثر لأجل معلوم، ثم يرجع ملكاً للواقف أو لغيره.

ولهذا أجازوا وقف العقار ووقف المنقول وإن كانت العين غير قابلة للبقاء الدائم، وإذا كان المنقول عندهم يجوز أن يكون منقولاً -غيردائم البقاء- فإنّ طريق بقائه هو الاستبدال، فيحلّ محلّ المنقول عين ثابتة صالحة للبقاء.

رأي الباحث:

من خلال تتبع الأدلة الدالة على مشروعية الوقف، واستشراف المقاصد الشرعية منها، نرى أنّ الشارع يهدف من الوقف إلى إقامة مصادر دائمة ومستمرة تدرُّ دخلاً، لتقديم خدمات اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية للأفراد والمجتمعات في الحاضر والمستقبل، ولاشك أنّ تأبيد الوقف يحقق هذا المقصد أكثر من تأقيته.

ولهذا كان اتفاق الفقهاء على وقف العقار؛ لأنه يحقق مقصد الشارع، واختلفوا في وقف المنقول؛ لأنه يؤول إلى التلف، ولا تتحقق منه المنافع على التأبيد، كما أنّ الفقهاء ذكروا قيوداً على التصرف في أصل الوقف؛ فمنعوا بيعه، وتحميله الديون، كما نصوا على أنّ عمارة أصل الوقف التي يترتب عليها بقاء عين الوقف مقدمة على غيرها من وظائف الوقف، قصد استمرارية الوقف.

هذا وقد فرّق الشارع الحكيم بين الوقف والصدقة، مع أنّ كلاًّ منهما يُقصد به وجه البرّ، سواء كان عاماً أو خاصاً؛ لأنّ المقصود في الوقف هو حبس العين والتصدق بالثمرة، ولاشك أنّ الذي يحقق هذا هو أن يكون المال الموقوف عقاراً، وأمّا الصدقة فلا يقصد منها حبس العين والتصدق بما تدرّه من إيرادات كالوقف، حيث يكون مال الصدقة محلاًّ للتصرف والإنفاق على جهات البرّ (5).

ومع أنّ الأصل في الوقف العقار كما قرّره الفقهاء، إلا أنهم أجازوا وقف المنقول إمّا تبعاً أو للنص أو جريان العرف كما ذهب إلى ذلك الحنفية، أو أجازوه استقلالاً توسعةً في إعمال البرّ والخير كما هو مذهب الشافعية والحنابلة مع قولهم بتأبيد الوقف، فأجازوا استبدال ما تعرّض للتلف منه طريقاً للوصول إلى المقصد الأصلي الذي لا يحققه إلا التأبيد.

وأمّا المالكية والشيعة الإمامية فقد أجازوا تأقيت الوقف لمدة زمنية محددة إلا فيما لا تقبل طبيعته التأقيت.

(1) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج: للرملي (4/ 286)، والمغني: لابن قدامة (5/ 518) عن المحاضرات في الوقف لمحمد أبوزهرة (ص118).

(2) المغني (5/ 518).

(3) حاشية الدسوقي: لمحمد بن عرفة (4/ 87).

(4) الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية: العاملي (3/ 175).

(5) الوقف الإسلامي: د. منذر قحف (ص106 - 107).

وقف الأسهم والصكوك والحقوق والمنافع · الصفحة ٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

وقف الأسهم والصكوك والحقوق والمنافعص ٦