وما يقع تحت دائرة بحثنا هو النوعين الثاني والثالث من الحقوق المالية.
ثانيا: وقف المنافع
إنّ محلّ الوقف هو المال، ولذا فإنه يحسن أن نبيّن أولاً: هل المنافع تعتبر أموالاً في نظر الشرع أم لا تعتبر مالاً؟
وهذا يدعونا لتعريف المال:
عرّف الحنفية المال بأنه:" ما يميل إليه الطبع، ويمكن ادّخاره إلى وقت الحاجة " (1).
وبناءً على هذا التعريف تخرج المنفعة؛ لأنها لا تدّخر، وليس لها وجود خارجي، فالمنفعة ليست شيئاً مادياً موجوداً، وإنما هي أعراض تحدث شيئاً فشيئاً على حسب حدوث الزمن، فلا تعتبر ثروة من المال؛ لأنها لايمكن فيها الإحراز والادّخار، وهم بذلك يفرقون بين الملك والمال، فهي مملوكة ولكنها ليست مالاً في نظرهم (2).
وذهب الشافعية والحنابلة إلى اعتبار المنافع أموالاً متقومة في ذاتها؛ لأنها هي المقصودة من الأعيان، فإنّ أثمان الحاجات والأشياء تقاس بين الناس بمنافعها (3).
ويحسن هنا أن أنقل رأي المرحوم الأستاذ مصطفى الزرقا - وهو الفقيه الحنفي - في الترجيح بين الرأيين، وذلك لأنّ المقام لا يتسع لذكر الآراء ومناقشتها، لأنّ هذا ليس هو الموضوع الرئيسي في البحث، وإن كان تخريج القول في مسألة وقف المنافع ينبني عليها.
يقول الأستاذ الزرقا:" ومن الواضح أن نظرية الاجتهاد الشافعي والحنبلي في إلحاق المنافع بالأعيان في المالية والتقوّم الذاتي، هي أحكم وأمتن وأجرى مع حكمة التشريع، ومصلحة التطبيق، وصيانة الحقوق من نظرية فقهائنا في الاجتهاد الحنفي، فإنّ اعتبار المنافع غير ذات قيمة في نفسها ليس عليه دليل واضح قويٌ من أدلة الشريعة، لا من نصوصها ولا من أصولها، وإنما هو غلوٌ في النزعة المادية بنظرية المال والقيمة في الاجتهاد الحنفي .. إلى أن يقول:
" وليت أنّ جمعية المجلة، بما منحته من صلاحية الاختيار المعتبر شرعاً، أخذت في هذا الموضوع بنظرية الاجتهاد الشافعي والحنبلي، فعممت ضمان المنافع واعتبرتها أموالاً متقومة بذاتها في سائر الأحوال؛ رعايةً لمصلحة المجتمع، وزجراً عن العدوان الذي أصبح معظم الناس لا يتحامونه لمجرد حرمته إذا لم تقترن بالمسؤوليات المدنية " (4) (.
وممّا سبق يتبيّن لنا أنّ الحنفية لا يجيزون وقف المنفعة؛ لأنها ليست مالاً، ومع ذلك فقد أجازوا وقف المنفعة استثناءً في الأحكار وهي: الأرض التي تعطيها الدولة لبعض الناس ينتفعون بها مقابل أجرة يعطيها المنتفعون، وتستمرّ أيديهم عليها، ويتوارثونها فيما بينهم، لا يتعرّض لهم أحد، ولا تزعجهم الدولة عنها، طالما استمرّوا في الوفاء بالتزاماتهم الكالية تجاه الدولة (5).
(1) 2 (حاشية ردّ المحتار (4/ 500)، وعرفوه أيضاً بتعريفٍ آخر هو: " ما يميل إليه الطبع، ويجري فيه البذل والمنع ". حاشية رد المحتار (5/ 51).
(2) بدائع الصنائع: للكاساني (7/ 145).
(3) المدخل الفقهي العام: مصطفى الزرقا (3/ 208).
(4) المدخل الفقهي العام: مصطفى الزرقا (3/ 209).
(5) أحكام الوقف: للخصاف (ص34).