وإذا تقرر هذا فلا رخصة لأحد ممن ذكرت في الرجوع، ولا في عدم الهجرة بوجه ولا حال، وأنه لا يعذر مهما توصل إلى ذلك بمشقة فادحة، أ, حيلة دقيقة ... والواجب الفرار من دار غلب عليها أهل الشرك والخسران، إلى دار الأمن والإيمان، ولذلك قوبلوا في الجواب عند الاعتذار بقوله تعالى: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ أي حيثما توجه المهاجر وإن كان ضعيفاً فإنه يجد أرض الله واسعة ومتصلة، فلا عذر بوجه لمستطيع وإن كان بمشقة في العمل أو في الحيلة أو في اكتساب الرزق أو ضيق في المعيشة، إلا المستضعف العاجز رأساً .. ومن بادر إلى الفرار، وسارع في الانتقال من دار البوار إلى دار الأبرار، فذلك أمارة ظاهرة في الحال العاجلة لما يصير إليه حاله في الحال الآجلة، لأن من يسّر له العمل الصالح كان مأمولاً له الظفر والفوز، ومن تيسر له العمل الخبيث كان مخوفاً عليه الهلاك والخسران، جعلنا الله وإياكم ممن تيسر لليسرى، وانتفع بالذكرى.
وما ذكرت عن هؤلاء المهاجرين من قبيح الكلام، وسب دار الإسلام، وتمني الرجوع إلى دار الشرك والأصنام، وغير ذلك من الفواحش المنكرة التي لا تصدر إلا من اللئام، يوجب لهم خزي الدنيا والآخرة ... فإن محبة الموالاة الشركية، والمساكنة النصرانية، والعزم على رفض الهجرة، والركون إلى الكفار .. ونبذ العزة الإسلامية، والطاعة الإلهية، والبيعة السلطانية، وظهور السلطان النصراني عليها، وإذلاله إياها بفواحش عظيمة مهلكة قاصمة للظهور، يكاد أن يكون كفراً .. وأما جرحة المقيم، والراجع بعد الهجرة، والمتمني الرجوع، وتأخيره عن المراتب الكمالية من قضاء وشهادة وإمامة فمما لا خفاء به ولا امتراء ... ] ثم نقل سؤالاً وجوابه عن المازري حول خطاب القضاة المقيمين تحت حكم الكفار وفيه: [ ... وهذا المقيم ببلد الحرب إن كان اضطراراً فلا إشكال أنه لا يقدح في عدالته، وكذلك إن كان تأويله صحيحاً مثل إقامته ببلد الحرب لرجاء هداية أهل الحرب ونقلهم عن