الرجوع إليها على حال من الأحوال ويدع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا بيّن مما ذكرنا إن شاء الله، وقد بقي من الهجرة باب باقٍ إلى يوم القيامة، وهو المسلم في دار الحرب إذا أطاقت أسرته، أو كان كافرا فأسلم، لم يحل له المقام في دار الحرب، وكان عليه الخروج عنها فرضاً واجباً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا برئ من كل مسلم مع مشرك. وكيف يجوز لمسلم المقام في دار تجرى عليه فيها أحكام الكفر، وتكون كلمته فيها سفلى ويده وهو مسلم؟ هذا لا يجوز لأحد] التمهيد 8/ 389 - 391
[حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا شبابة قال حدثنا مالك بن أنس عن الزهري عن عبد الله بن صفوان عن أبيه: أن صفوان قيل له: من لم يهاجر هلك. فدعا براحلته فركبها حتى أتى المدينة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: قد قيل لي: من لم يهاجر هلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذهبت الهجرة فارجع إلى بطحاء مكة .. ] التمهيد 11/ 216
قال الحافظ ابن عبد البر: [لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بايع الناس على الهجرة وقال: أنا بريء من كل مسلم مع مشرك. فكان على الناس فرضاً أن ينتقلوا إلى المدينة إذ لم يكن للإسلام دار ذلك الوقت غيرها، ويدعوا دار الكفر، وعلى هذا والله أعلم كانت بيعة هذا الأعرابي المذكور في هذا الحديث عن الإسلام والهجرة، فلما لحقه من الوعك ما لحقه تشاءم بالمدينة وخرج عنها منصرفا إلى وطنه من أهل الكفر، ولم يكن ممن رسخ الإيمان في قلبه، وربما كان من جنس الأعراب الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾ ولما فتحت مكة لم يبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً على الهجرة، وإنما كانت البيعة على الإقامة بدار الهجرة