قال ابن عبد البر: [قالت عائشة: إنما كانت الهجرة قبل فتح مكة والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ليفر الرجل بدينه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح: لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا. رواه مجاهد عن طاوس عن ابن عباس وقد جاءت أحاديث ظاهرها في الهجرة على خلاف هذه منها حديث عبد الله بن وقدان القرشي وكان مسترضعاً في بني سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار. وروى ابن محيريز عن عبد الله بن السعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. ومنها حديث معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها. قال أبو جعفر الطحاوي: هذه الهجرة هجرة المعاصي غير الهجرتين الأوليين، كما روى الزهري عن صالح بن بشير بن فديك قال خرج فديك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنهم يزعمون أنه من لم يهاجر هلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا فديك، أقم الصلاة وآت الزكاة، واهجر السوء، واسكن من أرض قومك حيث شئت تكن مهاجراً. وقال الحكم بن عتيبة: أفضل الجهاد والهجرة كلمة عدل عند إمام جائر. وقد قيل أنه لم تكن هجرة مفترضة بالجملة على أحد إلا على أهل مكة، فإن الله عز وجل افترض عليهم الهجرة إلى نبيهم حتى فتح عليه مكة، فقال حينئذ: لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، فمضت الهجرة على أهل مكة، من كان مهاجراً لم يجز له الرجوع إلى مكة واستيطانها وترْك رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل افترض عليهم المقام معه، فلما مات صلى الله عليه وسلم افترقوا في البلدان، وقد كانوا يعدون من الكبائر أن يرجع أعرابياً بعد هجرته، وهذا الحديث يدل على قوله لا هجرة بعد الفتح، أي لا هجرة مبتدأة يهجر بها المرء وطنه هجراناً لا ينصرف إليه، من أهل مكة قريش خاصة بعد الفتح، وأما من كان مهاجراً منهم فلا يجوز له
وبل الغمامة في أحكام الإمامة · الصفحة ٢١١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
وبل الغمامة في أحكام الإمامةص ٢١١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي