تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حسن الظن بالأمير

اعلم يا أخا التوحيد أن هذا الباب من أعظم الأبواب وأخطرها

قال - سبحانه -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:12].

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إياكم والظن فإن الظن أكذبُ الحديث". متفق عليه.

فقد أمرنا الله ورسوله بإحسان الظن بالمسلمين عامة، وما ذلك إلا لعَظمة حرمة المؤمن عند الله .. وحفظاً للصف المسلم من الزلل والخلل، وصوناً له من الأمراض التي تؤدي إلى حلول الهزيمة بالمسلمين وارتفاع التأييد والنصر عنهم.

قال - تعالى -: ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:46] فأي فشلٍ وأي ذهابٍ للريح أكثر من انتشار سوء الظن والتباغض والتباعد بين المسلمين؟

فإن كان هذا بين عامة المسلمين فكيف إن كانت إساءة الظن بولاة الأمور؟؟

فمن المعلوم بداهةً أن إرضاءَ الناس في كل شيءٍ غايةٌ لا تُدرَك، فاعلمْ يا أخا التوحيد أن أيَّ أميرِ عامة لابد أن يُحاطَ بالنصح والشفقة لعِظَمِ الأمر الذي وُكِّل به؛ فالإمارة تكليفٌ لا تشريف، وكلها منغِّصاتٌ وهمومٌ وغموم.

فمَثلُ الأميرِ كمثل رُبَّان سفينةٍ في بحرٍ متلاطم الأمواج يسدد ويقارب ويوازن حتى يصل بها إلى بر الأمان وينجو بإخوانه .. فهو مسؤول عن كل فردٍ من أفراد رعيته، ينظر بأعينهم ويسمع بآذانهم، ويهتم لهمومهم، ويفرح لأفراحهم، فحاله هذه تتطلب من أفراده الشفقة عليه، وحسنَ الظن به، وإعانتَه على طاعة الله.

والأمير غالباً ما يكون مُطَّلِعاً على أمور الرعية الخافية عن بقية الأفراد، وهو صِمَام أمان الجماعة وصندوق أسرارها، فقد يرى رأياً أو يتخذ قراراً يرى غيرُه خلافَه؛ لجهلهم بجوانب يعلمها هو دونهم، والمعترِض قد ينظر من جانبٍ واحدٍ أو زاويةٍ ضيقةٍ قاصرةٍ، بينما الأمير ينظر من عدة جوانب وزوايا، ويدرك أموراً كثيرةً تخفى على بعض المعترضين، ومن المصلحة مثلاً ألا يُظْهِرَ تلك الجوانبَ لأولئك المعترضين (حفاظاً على الجانب الأمني للجماعة مثلا).

ومثال ذلك ما ورد عن عمرو بن العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمّره في غزوة ذات السلاسل، فمَنَع الناس أن يوقدوا ناراً ثلاثاً، قال: فكلّم الناس أبا بكرٍ، قالوا: كلمه لنا، فأتاه، قال: قد أرسلوك إليّ، لا يوقِد أحد ناراً إلا أَلقيته فيها! ثم لَقُوا العدو فهزموهم، فلم يَدَعْهم يطلبون العدو، فلما رجعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أخبروه الخبر وشكَوا إليه، فقال: يا رسول الله كانوا قليلاً فكرهت أن يطلبوا العدو، وخِفْتُ أن يكون لهم مادَّةٌ فيَعْطِفون عليهم، فحمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم أمره-، وفي رواية فقال عمرو: نهيتهم أن يوقدوا ناراً خشية أن يرى العدو قلتَهم (1).

(1) 20 - [قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني بإسنادين ورجال الأول رجال الصحيح].

واعتصموا · الصفحة ١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

واعتصمواص ١٠