جلس الأستاذ الجليل، فجلس الجميع، وساد المجلس سكون رهيب بانتظار التحية الثانية تحية الجلوس، يبدأ بها الأستاذ الجليل، لتكون بعد الرد عليها مفتاحا للحديث، فكأنها كناية فعلية عن الإذن بإدارة الحديث في حضرته، فسبحان ربي الحكيم ما أكرمه وما أحلمه! فقد أراد لحكمة خفية عنا أن يمر البشر بهذه الترهات من الشكليات في تقدم الحياة، وكأني بنا لا نزال ننخدع بها أو نحاول أن نخدع، وسيستمر البشر على الاهتمام بمثل هذه الترهات ما دامت التربية عاجزة عن استئصال جراثيم السخف والحمق من النفوس، فإن هذه الترهات ليست أصيلة في طبيعة الإنسان وفطرته، وإنما هي من مستحدثات المجتمع وبدعه، تدخل في النفوس على الشكل الذي تتسرب به إلى الجسم جراثيم الأوبئة والأمراض، اللهم احفظ شبابنا واحمهم من جراثيم الترهات، آمين آمين.
وأخيرا، وبعد صمت عميق وقور استمر بضع لحظات، التفت الأستاذ الجليل رافعا رأسه وابتسامته الماكرة تتغامز فيها عيناه بارزة على ثغره، ورحب بهم رافعا يده على الصورة التي سبق وصفها، وقال: أهلا بكم، شرفتم. فتهللت الوجوه ، وانطلقت الألسنة تردد: تشرفنا يا سيدي الأستاذ الجليل، زدتنا عزا وشرفا يا مولانا، أهلا بكم أيها الولي القديس، أهلا بالتقي الورع، أطال الله عمر مولانا صاحب الفضل والمنة، أهلا بالعلم والدين يجتمعان، متع الله الأمة بحكمتكم وحسن تصرفكم في الأمور، نفعنا الله بمكانتكم السامية وببركة قداستكم، ولعل هذا كان أصدق الداعين لما في قوله من صراحة الرغبة في الانتفاع، فكان أقل تغطية من غيره، ولكن، أكان ذلك لسذاجته أم لذكائه وخبثه؟! لم يستطع الراوي التحقق من واقعية إحدى الحالتين، فكلتاهما تصلحان سببا لمثل هذه التورية القريبة من التصريح.
وعلى كل فما استنفد الحاضرون هذه العبارات في تزلفهم وتملقهم، حتى تضرع الأستاذ الجليل إلى الله العلي القدير أن يحفظ الملك العظيم العادل، ويكلأه بعين عنايته وينصره على أعدائه أجمعين، وقد عبر عن ذلك بدعاء طويل، ألقاه بخشوع خادع بعد أن نهض قائما، ووقف الجميع، وما استقر بهم الجلوس ثانية حتى بدءوا يستفسرون عن راحته وعن حصوله على جميع حاجاته، وكل يعرض نفسه لخدمته مظهرا استعداده القوي للتضحية بوقته وبما يملك في سبيل رفاهية الأستاذ الجليل وراحته؛ لأن رجال الله جديرون بأن يضحى في سبيلهم بكل غال ونفيس، وهنا أتم العبارة أحدهم، ويظهر أنه كان من الخبثاء الأذكياء بقوله: لا سيما إذا شملتهم بالعناية والرعاية عين المليك الساهرة، فشكرهم الأستاذ جميعا مؤكدا لهم بأن رعاية جلالة الملك وعنايته لم تتركا مجالا لأية حاجة لأي شيء، فكرروا جميعا الدعاء بطول حياة الملك العظيم، وباستمرار إقبال الخير عليه، فإنه خير للجميع.
عندئذ تحرك الرجل الذي في الزاوية، ولم يكن قد نطق ببنت شفة، ولعله كان من الأذكياء الخبثاء، فأراد تغيير مجرى الحديث فقال: نرجو ألا يكون حادث الشابين قد أزعج مولانا، ولم يتم كلامه هذا حتى انبرى من كان أمامه، وأظهر استخفافه بذلك الحادث بقوله: ومن هما هذان المأفونان حتى يكترث لهما مولانا الأستاذ؟! إنهما من السوقة، وسينالان جزاءهما بقسوة لا تعرف هوادة، يجب أن ننقذ المملكة من هؤلاء الغوغاء ومن شرورهم، فرد عليه ثالث قائلا: علمت أنهما أرسلا إلى مستشفى المجانين لاعتقاد الناس أنهما مجنونان، إذ لا يقدم على ما أقدما عليه عاقل، فتنحنح الأستاذ وقال: إن في الأمر سرا، فما تعودنا أن نسمع من صبية الغوغاء ولا من غيرهم مثل هذه العبارات، إنها لقضية حرية بالاهتمام والدرس، نعم، إنها ظاهرة جديدة في هذه المملكة، وهي جديرة بالانتباه والدرس والتفكير، بهذا صدق كبير الحاضرين على رأي الأستاذ، وطلب إلى الجالس إلى جانبه أن يوضح لهم الأمر، وكان هذا عينا من عيون وزير الميمنة، والكبير رئيس ديوانه وأمين سره.