فالتفت العين (أي الجاسوس) إلى الأستاذ، ووضح الأمر على الوجه الآتي: بلينا منذ بضع سنوات برجل من السوقة يدعي أنه يعرف العلوم، ويتظاهر بالفلسفة والزهد والتقشف، ومنذ سنتين بدأ الشبان يلتفون حوله ويتأثرون بأقواله، وقد اتصل بي أن بعض الشابات أيضا يجتمعن إليه سرا، ويتلقن منه مع الشبان آراء سخيفة ما سمعنا بها، ولا طرقت على آذان أبنائنا ولا أجدادنا الأولين، منها: أن الناس متساوون في الحقوق، ولا يحق لأحد أن يستعبد أحدا، والشعب في نظره هو السيد، ولا يجوز أن يحكم إلا بإرادته ولمصلحته، وهناك كلمة كثيرا ما يرددها وهي جديدة علينا، آه مالي قد نسيتها؟! إنها ... إنها على رأس لساني، إنها الديمو ... قرا ... طية، ويقول: هي حكم الشعب بإرادة الشعب لمصلحة الشعب، وهو يتوسع في أحاديثه في بيان معانيها وأهميتها وعلاقتها بكرامة الإنسان، لدرجة يدوخ بها سامعيه، فتدور رءوسهم ويفقدون حواسهم، فما قولكم بالشباب حين يسمعون هذه الأفكار المدوخة؟ ألا يكفيهم ما فيهم من دوخة الشباب ودواره؟ سمعته مرة يتكلم فدار بي رأسي، وما عدت أعرف إذا كنت على الأرض أم في السماء أم بينهما، إنه خطيب قوي العارضة، فصيح اللسان، جريء الجنان، صريح لدرجة الجنون، ولا أنكر عليكم أنني كدت أفتتن به، ولكن حبي للمليك ولوزير ميمنته حفظاني، والشكر لله ولحبهما من هذا السخف الذي يؤدي - ولا شك - إلى الجنون، فهذان الشابان هما دون ريب ممن فتنهم رجل السوء وأفسدهم، أما أنا فلم أعد إليه بعدها أبدا، وصرت أستقي أخباره من الناس ولا سيما من الشباب.
وما انتهى الجاسوس من حديثه حتى شهق الجالس أمامه، وكان يستمع إليه بدهشة وجزع، وهو فاغر فاه، واستعاذ بالله من هذا الضلال المبين، وإذا الأستاذ الجليل قد انقبض وجهه، وتربد لونه، وأخذ يتمتم بعبارات وكلمات لم تفهم، ثم أفصح غاضبا حانقا فقال: إنها الشعوذة المضللة والدجل المجرم، أسيادة الشعب يريد هذا الكذاب الجاهل؟ وهل يعني هذا سوى سيادة السوقة والغوغاء؟ وهل بلغ الغرور في الشباب حد الانهيار حتى يسقط في هوة هذه المفاسد وهذا الضلال؟ سيادة الشعب! سيادة الرعاع! وهل من سيادة صحيحة لغير صاحب الجلالة، وهو إنما يحكم بالحق الإلهي، ويستمد القوة من ربه، ولا فضل عليه لأحد، ولا يسود بعده من الناس إلا من يريد هو له هذه الرتبة من الأشراف والحكام، وهو ينزعها عنهم متى شاء، إن للكون إلها يدبره، وهو ملك الملوك ورب الأرباب، ولكل مملكة ملك يدبر شئونها، وهو ربها بإرادة الله لا بإرادة الناس، وهذا هو ولي النعم، ومالك رقاب العباد. الشعب، السوقة، الرعاع، الغوغاء، متى كان لهؤلاء حق الكلام؟ إنهم جميعا عبيد الملك ورعيته، وليس لهم إلا ما يمنحون من قبله من خير وحقوق، والله لولا التقى لقلت بما قال به الأقدمون: إن الملوك من أبناء الآلهة، بل هم آلهة بالفعل، أستغفر الله العظيم.
وهنا وقف الأستاذ الجليل، والغيظ آخذ منه مأخذه، والتفت إلى الحاضرين متكلفا الابتسام والهدوء وقال: اطمئنوا، فلن يطول أمر هذا الدجل، وسيكون لهذه الشعوذة الضالة نتائجها المخزية، نعم، يجب أن نتعاون جميعا للقضاء على الدجالين المشعوذين، حفظا لنظام الدولة، وصونا لهيبة السلطة والحكم، فانفرجت الأسارير، وكان وقوف الأستاذ إشارة إلى انتهاء المجلس، فودعوه على الشكل الذي به استقبلوه، وأخذوا يسيرون القهقرى، إذ لا يليق أن يديروا ظهورهم لهذا الجليل، إلى أن بلغوا باب القاعة، ومنه انصرفوا مأخوذين وفي نفوسهم أشياء وأشياء، بعد أن انقلبت الشعوذة حقا والحق شعوذة، وتبدل الكفر إيمانا والإيمان كفرا، فسبحان محير العقول!
| الفصل السادس
قال الراوي: خرج الناس سكارى من لدن ذلك الأستاذ الجليل وما هم بسكارى، ولكن تضارب المتناقضات واصطدام الحق بالباطل والحقيقة بالشعوذة، ثم انتصار الباطل على الحق وفوز الشعوذة، كل هذا بالحقيقة في تلك الجلسة، جلسة الإفك والرياء والنفاق، أضاع صوابهم، فشعروا بخلل توازن التفكير في نفوسهم، وضاقت بهم بؤرة الشعور.