تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا

وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل

ولكن الجالس في الزاوية المقابلة رد عليه بقوله: ما لك وللدنيا الآن؟ فهل لرجال الله بها أي مأرب؟ إن أستاذنا الجليل أعظم من أن يفكر فيها، أو أن يخدع بسراب مظاهرها، فوالله لولا وجود هؤلاء ينصرفون لعبادة الله أمثال أستاذنا الجليل لما رزقنا الله في هذه الحياة، فنحن إنما نرزق ببركتهم. نعم نعم، أحسنت والله يا أخي. بهذا عبر الجار عن استحسانه لقول جاره وهو يهز رأسه هزات متزنة متوالية إشارة للتصديق على كل ما قيل مع الإعجاب الشديد، فانبرى لهم رجل كان يتصدر القاعة بجانب ذاك الذي افتتح الحديث، وأخذ يتكلم بصوت أجش عريض، ودون أن يفارقه سمت الوقار قال: إن أهل التقى والورع هم السعداء وحدهم، وإنما يسعد غيرهم بتقربه إليهم، فوجود أستاذنا الجليل التقي الورع القديس في هذه العاصمة سيكون، ولا شك مصدر سعادة للجميع.

وهنا تطور أحد الحاضرين تطورا صوفيا، فأخذه الحال وأنشد يقول بعد تنهد عميق، وكأنه في حالة الغيبوبة ما معناه:

لي سادة من عزهم

أقدامهم فوق الجباه

إن لم أكن منهم فلي

في حبهم عز وجاه

وما بلغ الحديث هذا الحد مع ما فيه من انجذاب وغيبوبة وتواجد، حتى أوشك التلميذ وهو من الشبان الواعين أن يختنق من الغيظ والغضب، وقد اشتد حنقه لدرجة انقلب معها في نفسه سخرية حانقة كادت تتفجر ضحكا هازئا صاخبا، لولا أن دخل الأستاذ على سمت خاص ووضع مفتعل، فأنقذ الموقف وأوقع الرهبة والوقار في نفوس الجميع، فوقف الجميع إجلالا وكادت انحناءات بعضهم تبلغ الركوع أو السجود، وما أشد ما يتقن هؤلاء المراسيم الملكية، وما أعظم مهارتهم في تحقيق شكلياتها على أتم وجه.

أما التلميذ الحانق فقد اغتنمها فرصة خرج فيها لوقت قصير فثأ فيه عن نفسه حدتها، وعاد ليقدم إلى أستاذه هؤلاء الذوات بأسمائهم يعاونه بذلك أكبرهم منصبا، مبينا رتبة كل منهم وعمله.

كان هذا التلميذ شابا لم يتجاوز العشرين، وكان ذكيا واعيا وفطنا، صحب الساحر منذ سنوات بأمر والده، وقد كان مأخوذا بعلم الأستاذ وفضله، فأراد أن يفيد ولده من مهارته وخبرته وقوة عارضته. اطلع هذا التلميذ النشيط بفطنته ووعيه على أسرار المشعوذ ومآسيه، وأدرك أساليب الشعوذة وأضرارها، وكاد يترك أستاذه حانقا ثائرا لولا أن هذا قرر الانتقال إلى العاصمة ليتصل بالملك، فأراد الشاب أن يشاهد أدوار هذه المأساة الجديدة علها تكون مصدر ثورة للإصلاح.

إن هذا التلميذ يعرف إذن حقيقة أستاذه، وهو يعلم أن مزج الشعوذة بمظاهر الدين وشكلياته، وهي الطريقة التي يستخدمها هذا الساحر، هو من أشد أنواع الشعوذات ضررا وخطرا، إنه واثق أن أستاذه لا يصلي ولا يتعبد الله إلا رياء ونفاقا أمام الناس، فهو إذن لم يدخل غرفته للصلاة كما ادعى، بل لاستكمال عناصر طريقته في شعوذته؛ لتتخذ شكلها الديني ذا الأثر العميق في نفوس السذج من الناس وغيرهم على ما شهدنا في الفترات السابقة، ولكن هل تأثر هؤلاء الكبار والكبار الكبار بشعوذة هذا الدجال؟! أم هم شعوذوا عليه بدورهم؟! هذا ما ستظهر لنا حقيقته في ما سيأتي.

أما الآن، فإن الراوي يؤكد أن الساحر حين دخل إلى غرفته لم يقم بأي واجب في عبادة الله، إنما انتقل منها إلى غرفة صغيرة أخرى بجانبها، وهي غرفة خاصة حرام، لا يدخلها غيره حتى ولا تلميذه، وقد اصطنع فيها وسائل تمكنه من مشاهدة ما يجري في القاعة ومن سماع ما يقال، وإنه كان يود أن يستمر الحديث لولا ما لاحظه من تميز تلميذه من غيظه، فوجد من الحكمة أن ينقذ الموقف، ففعل.

| الفصل الخامس

قال الراوي: وقف الجميع إجلالا عند دخول الأستاذ الجليل - هذا هو اللقب الذي أطلقه عليه الشمامون من الأعيان فلا مرجع عنه بعد الآن - وسبحته الطويلة في يده، ثم حيوه بالطريقة المألوفة في مراسم ذلك الزمن، ولا سيما في تحية الرجال العظام، وهو قد أصبح في نظرهم من هؤلاء، فأسدل كل منهم يده اليمنى إلى الأرض، وهي منفرجة الأصابع انفراجا طبيعيا بارتخاء وأناة، مفتوحة إلى فوق مع شيء من التقعير ومع انحناءات تختلف باختلاف مكانة المنحني وحاجته؛ فمنهم من اكتفى بإحناء الرأس، ومنهم من ضم في انحنائه أعلى الجذع، ومنهم من بلغ درجة الركوع أو السجود، ومنهم من أسدل مع انحنائه اليدين معا، أما الأستاذ الجليل فرد عليهم التحية شأن العظماء، وقد أبدع في تمثيل الدور برفع يده قليلا مبسوطة إلى جهة الصدر نوعا، ومضمومة الأصابع ما عدا الإبهام مع إمالة رأسه إمالة خفيفة كادت ألا يشعر بها أحد، وأنعم عليهم - مع تحية العظمة - بابتسامة ناعمة هي علامة الرضى عن دهشة الإجلال والإعجاب، وقد أخذوا بها في تحيتهم له حين دخل على تلك الهيئة المهيبة الرصينة.

هذا التاج · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هذا التاجص ٨