تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن يدري؟!

وكيفما كان الأمر، فإن الموكب استمر بهدوء وسكون، وعادت له روعته بعد أن ارتاح الناس من جنون الشباب وطيشه، حتى وصل إلى دار الساحر، فترجل هذا وحيا الناس مبتسما ابتسامة الظافر، وحيا الأتباع الذين رافقوه وكانوا في ركابه، وأرسل إلى الملك العظيم تحية الشكر والعبودية والخضوع والتذلل، ودخل داره مطمئنا آمنا.

| الفصل الرابع

قال الراوي: لم يتجاوز الساحر عتبة باب الدار حتى بادره الخادم بقوله: القاعة مزدحمة بالزائرين يا سيدي، ويظهر أنهم من الكبار الكبار، وكان الخادم يقول ذلك والدهشة تعقد لسانه.

إنه تعود أن يرى في دار سيده أناسا من السوقة، وأكثرهم من الفقراء، يأتون لمعرفة بختهم أو لكشف الغيب أو المستقبل، وقد يقصدونه لمحاولة استهواء حبيب أو للإيقاع بعدو إذا لزم الأمر، أو للحصول على رقيات وتمائم وتعاويذ وأحراز، يعتقدون أنها تقيهم من العين أو المرض، أو تشفيهم من الأدواء والعلل، أو تحفظهم من السحر ومن تعديات الناس، ومن الأحراز ما يكون للمحبة، فيصبح حاملها محبوبا لدى الآخرين، إلى غير ذلك من أغراض ومطامع قد تواجهها بعض المصاقبات أو تلائمها بعض المصادفات في بعض الحوادث، أو في وهم بعض الناس ممن في نفوسهم ضعف ومرض، وممن في تفكيرهم التواء، فيبنون من الحبة قبة، ويصلون لخوارق العادات بخوارق الانحراف في الفكر وفي الشعور، فتستقر في نفوسهم صور الشعوذة حقائق راهنة يؤمنون بها، ولا يقبلون فيها أي تأويل، والغريب أنهم ينسون أو يتناسون في إيمانهم هذا العدد الكبير، وهو الأكثر حكما، مما لم تواجهه مصاقبة أو تلائمه مصادفة أو وهم من الرقى والتعاويذ والأحراز، وقد أعمى المشعوذون قلوب الناس بإلقاء هذه العبارة الساحرة ونفثها في الصدور: من لا يؤمن لا يشهد. فإذا لم تواجهك مصاقبة أو صدفة اتهموك في إيمانك، وكفى الله المؤمنين القتال، فأنت في حلقة مفرغة ليس لها أول ولا آخر.

وكان إذا ما جاء الكبار فإنهم كانوا يأتونه فرادى ومتنكرين في أكثر الأحيان، أما الكبار الكبار فإنهم كانوا إذا أثر سخف الشعوذة في نفوسهم، يستقدمونه خفية إلى قصورهم أو دورهم، وفي الانخداع بالشعوذة صغار، وفي الاعتقاد بها عار وأي عار، وقد لا يشعر بذل ذلك الصغار وبحقارة هذا العار إلا من ارتفع مستواه عن السوقة من الناس وجاهة أو علما أو خبرة، فإذا ما انطلى سحر الشعوذة على أحد هؤلاء التجأ إلى التغطية والتلبيس، وإلى التنكر والتدليس، وفي ذلك كله، سواء كان ذلك في السوقة أم في الكبار أو الكبار الكبار، دلالة واضحة على ضعف في النفس وخئور في العزيمة، وجبن عن مواجهة الحوادث بتفكير ذاتي واستقلال في التأمل.

ولا تكون هذه الظاهرة إلا في عصور الانحطاط في الأمم، وهي من أولى أمارات التأخر والانهيار.

فلا تستغربن - أيها القارئ الفطن - دهشة الخادم، وقد رأى الكبار والكبار الكبار يغشون الدار بهذه الكثرة دون تنكر ولا استخفاء.

ولم يسر الساحر بضع خطوات حتى هرع إليه تلميذه، وقد كان في القاعة يؤانس الزائرين، وأسر في أذنه أن بعضا من رجال الدولة ومن الوجهاء والحكام أتوا للسلام عليه، وهم في انتظاره منذ وقت طويل، فابتسم الساحر ابتسامة خبيثة ماكرة وخاطب تلميذه بقوله: أي منذ شرفني جلالة الملك بالخلوة معه، أيوه، إن هؤلاء هم الشمامون، فاستغرب التلميذ الكلمة، وسأله: ما معنى كلمة «الشمامون»؟ وردت في كلامه، فابتسم الساحر وقال: سأعلمك عن معناها في جلسة السهرة، أما الآن فقل لهم: إن الأستاذ قد دخل غرفته ليؤدي صلاة الشكر لله تعالى، ثم يعود إليكم. وانتبه لكل ما يقول هؤلاء لتنبئني خبرهم بالتفصيل، فإنك ستشاهد العجب العجاب، فلا تعلق أنت على كلامهم بشيء مطلقا.

عاد التلميذ إلى مقعده في القاعة، وأبلغ من كان من رجال الدولة ووجهاء العاصمة وحكام المملكة بأن الأستاذ سيجتمع بهم بعد أن يؤدي صلاة الشكر لربه، فما سمع هؤلاء هذه العبارة، حتى اهتز المجلس وجدا وإعجابا، وقالوا بصوت واحد: الله الله! نفعنا الله ببركته، ومتعنا بطول حياته، ثم استولت على المجلس لحظات صمت وقور قطعه أحدهم ويظهر أنه كان أعظمهم مكانة بقوله: إن رجال الله يشغلون بربهم فلا يقدمون على عبادته أي عمل، فأكد آخر بأنهم مشغولون بالله عن الناس، فثبت من بجانبه هذا الرأي بقوله: إنهم أحباب الله يا أخي، وهل يشغل قلب الحبيب بسوى حبيبه؟ فإذا في آخر القاعة رجل يتواجد فيهتز طربا ذات اليمين وذات الشمال ويردد ما عناه الشاعر بقوله:

هذا التاج · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هذا التاجص ٧