لم يعلم ذلك الشعب المضلل المستسلم بخروج الساحر من قصر الملك على الشكل الذي وصفناه، حتى ترك أعماله ووقف صفوفا متراصة على جانبي الطريق، فمن الناس من كان يحيي المشعوذ عند مروره بالانحناء، ومنهم من حياه بالهتاف والصراخ، ومنهم من اكتفى بذهول غيبوبة التأمل والإعجاب، مأخوذا بصوفية عبادة المظاهر والشكليات، وما كانت هذه الحفاوة إلا لتزيد في غرور الخيلاء، إذا ما بعثها في نفس المغرور استسلام الشعب إليه، إنها تنقلب لاستخفاف يحتقر معه بغروره ذلك الشعب المنعم، وهذا ما ظهر على وجه ذلك المشعوذ، وقد كانت ابتسامته الصفراء الهازئة تنم عن احتقاره لهؤلاء السوقة السذج، وتعبر عن استخفافه بهم، وقد عبر عن سخريته هذه لمن بجانبه من الأتباع بقوله: إنهم حقا طيبو القلوب هؤلاء الناس.
وكان في هذه الصفوف شاب تطل الحياة جديدة من عينيه، وهل الشباب في حقيقة معناه سوى إطلالة جديدة للحياة على الوجود، تريده مستمرا في تجدده؟ وكان هذا الشاب - ولم يكد يبلغ الموكب نصف طريقه - قد شعر بما يرتسم على وجه ذلك الساحر المشعوذ المغرور من استخفاف وهزء واحتقار، وبما تفتر عنه شفتاه من سخرية وخبث ولؤم، فالتفت إلى ذلك الجمع، وصرخ قائلا: ما هذا الحمق الساذج الأبله؟ مر بكم هذا الرجل على أتانه قبل ساعات فلم تأبهوا له ولم تكترثوا لمروره، وأعلم أن كثيرين منكم كانوا يرمونه بالكذب والدجل والتمويه، فما بالكم وقد فتنتم به الآن؟! هل للسلطة عصا سحرية لا تلمس أحدا إلا ويصبح أهلا لأن يفتتن به الناس سواء أعمل أم لم يعمل؟! وسواء لديكم أكان ضارا أم نافعا؟ شريرا أم خيرا؟ ماذا عمل هذا الرجل؟ أفتح لكم بلادا جديدة أم أمنكم من خوف؟! أأنقذكم من مجاعة أم حفظ لكم أرواحكم وأموالكم وأخصب أرضكم؟! أية نهضة حققها في ميادين العلم والسياسة والاقتصاد؟! ما هو أثره في المجتمع حتى يفتتن به المجتمع ؟! يا مغفلون! إن عملكم هذا سخف وحمق إن لم أقل نفاق وجنون! إنها الشعوذة تفتك بالمجتمع.
وما كاد يصل الشاب في حديثه الصارخ إلى ذكر الحمق والنفاق والجنون والشعوذة، حتى انتفخت أوداج الساحر، واصفر وجهه من الغضب، فثار الناس على ذلك الشاب، وأخذوا يكيلون له الشتائم، فبعضهم أخذ يقول: إنه وقح قليل التهذيب، وآخرون كانوا ينعتونه بالحمق والسفه، وجميعهم قرروا أنه مجنون يجب أن يعالج في مستشفى المجانين، ولم تهدأ ثائرة الناس، ولم تسكن ضجتهم إلا عندما أخذ الجند هذا الشاب، وقد امتنع عليهم فجروه على الأرض جرا دون رحمة ولا شفقة، وكانوا يضربونه بهراوتهم ويركلونه بأرجلهم بعنف وقسوة وجفاء افتر لها ثغر الساحر عن ابتسامة عريضة وزفرة عميقة، عبرتا عن الرضا والقبول وعن التشفي والانتقام، وقد زادت ابتسامته عرضا وطولا وعمقا في مبناها وفي معناها، عندما ألقى الجند القبض على شاب آخر أراد أن يدافع عن رفيقه متمردا على الدجل والشعوذة والنفاق، ومنددا بجهل الشعب وحمقه وانهيار أخلاقه وحقارته.
هذا هو جو الموكب بعد أن اعتقل الشابان، ولا أدري، أكان السبب عدم وجود شبان آخرين، أم أن الخوف والذعر أسكتهم؟ لم يذكر راوي الحكاية شيئا عن هذا، ولكن باستطاعتنا أن نفترض أن الكهول والشيوخ، وهم من تتجسم فيهم روح المحافظة على التقاليد ولو كانت فتاكة، ومهما كانت سخيفة، وهم الذين تأخذهم شعوذة صوفية في عبادة الشكليات والمظاهر وإن كانت سببا للتذلل والانحطاط وقبول الاستعباد، نعم، باستطاعتنا أن نفترض أن هؤلاء وربما انضم إليهم كثير من الأولاد كانوا وحدهم المتظاهرين، وأن وجود هذين الشابين كان صدفة عارضة، كما يمكننا أن نفترض أنه كان هناك شباب من نوع آخر، فسدت تربيته وبكرت شيخوخته، فلم تتحقق فيه معاني الشباب، ولم تتفتح في نفسه أزاهره، مالي أشتط؟ فعفوا يا قارئي العزيز، كان الأجدر أن أقول: ربما كان سائر الشباب في تلك المظاهرة من الشباب الهادئ العاقل الرصين، ومن الذين لم يتذوقوا طعم الجنون، جنون الشباب، وربما كان من الشباب المكبوت أو ممن أرعبه الذعر من تصرفات الجنود.