تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما بلغ الساحر في حديثه حدود هذا الاتهام الغامض، حتى افتر ثغر الملك عن ابتسامة رضى، ثم أخذ يتأمل في نفسه تأمل المعجب بما سمع، فتوقف الساحر عن الكلام مبتهجا ببوادر الصيد، ولا تخدعن يا عزيزي القارئ كما خدع الملك؛ فساحرنا عالم خبير، لا يبدأ إلا بما هو معقول، تشع منه أمارات التكهن والإخلاص، شأن كل مشعوذ محنك، فانتظر.

سكت الساحر احتراما لتأملات الملك، ولكن هذا لم يلبث أن استفاق من تأملاته هذه، وأجاب على الأسئلة بقوله: بل للسببين معا؛ فهناك سر لم أبح لك به؛ لما هو عليه من خطر أولا، ثم لأنني لم أستكمل الأدلة كلها بعد، فشداد ملك البلاد المجاورة هو ممن وفقني الله لإخضاعهم من الملوك، بعد أن كان يسيطر على سياسة مملكتي ويسيرها كما يشاء، فهو يعمل على استرجاع سيطرته، وعلى الانتقام ممن انتصر عليه، ولم يجد وسيلة إلا في إفساد ضمائر بعض الخاصة من وزراء ومشيرين، وفي إطماع ابن أخي في العرش، وهو شاب مستهتر مسرف ضيق التفكير، فهؤلاء الخاصة في دفعهم لي لاتخاذ هذا التجسس على الرعية، إنما كانوا يعملون للأجنبي وللطامع في العرش معا، فهم أبناء حرام ولا شك، والتجسس ذاته خدعني حين سجلهم في سجل أبناء الحلال، فالأمر خطير، واعتمادي على عملك وبعد نظرك، وقدرتك على الاطلاع على الغيب في تدارك هذه الأمور، ففكر مليا، فإنني أثق باطلاعك كما أثق بنفسي، وإلى الغد، وقد حان موعد اجتماعي بمن وعدني باستكمال الأدلة الجرمية اليوم.

| الفصل الثالث

قال الراوي: خرج الساحر من خلوته بالملك وهو يكاد يشعر أنه يطير في الهواء ولا يسير على الأرض؛ لشدة ما أثر في نفسه فرح النجاح، وقد زاد في انبساط نفسه وابتهاجه، ما لاحظه من التملق البارز في تحيات رجال القصر، وفي انحناءات الأتباع والخدم، حتى أوشك أن يرى نفسه وقد أصبح صولجان الملك في يده يقلب به قلوب الناس. سار من باب القاعة وقد أحاط به بعض رجال البلاط وموظفيه، يشيعونه بقلوبهم وعيونهم وجميع جوارحهم، حتى بلغ رتاج القصر، فوجد مركوبه حاضرا، وكان حصانا أصهب فارها، عليه مظاهر خيلاء الخيول العربية الأصيلة ونفورها، وله مرحها وصهيلها ونشاطها، وما كاد يدنو من ذلك الحصان حتى وجده يضرب الأرض بقوائمه ضربا موقعا، له لحن خاص يعبر به عن زهو الخيول الأصيلة وتيهها، وعن تمردها على الحياة، فهي ترى أنها إنما تسام خسفا في سيرها على الأرض، وهي الجديرة بأن يكون ميدان جريها أجواء السماء.

امتطى الساحر ذلك الجواد الكريم بعد أن أعانه بعض الأتباع، شأن المزيفين من العظماء متى أرادوا الركوب، فبعض الناس يمسكون بالركاب تذللا، والآخر يقبض على اللجام تملقا، وآخرون يحيطون بهم تمويها في زيادة الاحتياط، والعظماء العظماء يأبون هذه المظاهر الكاذبة، ويخجلون منها ما دامت قد تدل على الكسل والعجز، واسترخاء الترف أو كبرياء الصلف! وهذه الصفات وما يماثلها لا تليق بالعظيم الأصيل في عظمته المعتد برجولته، ولم يشعر ذلك المشعوذ بأنه أصبح على متن ذلك الحصان الجواد مالكا لقياده، حتى انتقلت إليه عدوى الخيلاء زيفا، فكان مظهرها غطرسة ممقوتة، كما كان زيف النفور والمرح والنشاط والصهيل، وهي كلها صفات محببة في الخيول، وفي غيرها ما دامت طبيعية أصيلة، سماجة وكبرياء، وزهوا وتصنعا، وهديرا يشبه هدير البعير.

أما الشعب، ذلك الشعب الساذج المغفل الغارق في أحلام أوهامه، ولا سيما أوهام السلطة والعزة والنفوذ، والمأخوذ ببريق مظاهر التمويه والزركشة، وبأكاذيب سراب العز ووهم الأمجاد، وبخداع التدجيل بشكلياتها وظواهرها، إن ذلك الشعب المسكين ما كاد يسترق السمع، بباعث حب الاستطلاع، أو أنه سرق سمعه بفعل الدعاية والتغرير، فعلم بما كان للساحر عند الملك من حظوة ورعاية، حتى أخذ يبث العيون مستطلعا عن موعد انتهاء هذه الزيارة؛ ليتمتع بنفحة الملك والسلطان تتصل بأحد الرعايا السوقة العاديين، فكأن الإنسان يكفيه في نظرهم أن يتصل بالملك وبذوي السلطان ليخلق خلقا جديدا، ويكفيه أن يستقبل في تلك القصور ليستعير قبس نور المجد ويلبس رداءه، وهل للإنسان أية قيمة ذاتية إذا لم يتصل بظل الله على الأرض، أو بمن والاه واتصلت به نفحة من نفحاته؟ إنها صوفية الشعوب الجاهلة كيانها، الذاهلة عن ذاتها والمستسلمة لظواهر الحياة، ولمظاهرها وشكلياتها، ماذا تريد من شعب يغفل عن ذاته، وينسى أنه هو مصدر السلطة والعظمة والمجد، وأنه هو الذي يرفع ويخفض ، وهو الذي يعز ويذل، وهو الذي يسدد الخطى أو يضل، بفعل ما أودعه الله في كيانيه الفردي والاجتماعي من قوى وإرادة وتفكير؟

هذا التاج · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هذا التاجص ٥