دهش الملك مما وجد عند ذلك الساحر من علوم وفنون ومهارات تحير الأذهان والعقول، ومن بيان يزخر كالبحر، وطلاقة لسان تسابق الرياح في أعصارها، ولا غرو، فالسحرة لا يكونون من البلداء المغفلين، ولا تجد المشعوذ بين الجهلة الأغبياء الأعياء، وطلاقة اللسان عند المشعوذ وسهولة البيان عند الساحر مضرب مثل عند الناس.
فلم يكن من الغريب إذن، وقد أدهش الملك الطيب أن يؤخذ بسحر الشعوذة، وأن يثق بمن يمثل هذا السحر بين يديه، فيفضي إليه بذات نفسه وبما يجد من حرج وضيق.
| الفصل الثاني
قال الراوي: لم يكد الملك الطيب القلب يفضي بما في نفسه، حتى بدت على وجه ذلك الدجال المشعوذ أمارات الارتياح والاهتمام، ارتاح ارتياح الظافر الداهية، بعد أن استسلم إليه الملك وأطلعه على كثير من أسراره الخاصة ومن أسرار الدولة، فأصبح بين يديه كالطفل يطلب العون من والده، أو كالتلميذ يلتجئ إلى أستاذه؛ ليساعده على إزالة ما في نفسه من قلق، وليرشده لما يصلح شئون الدولة لتنقذ مما هي فيه من اضطراب، وكثيرا ما كان ضعف العظماء أمام بيان مثل هذا المشعوذ من السحرة الدجالين سببا لمصائب ونكبات منيت بها الأمم في مجموع كياناتها وفي أفرادها.
نجح الدجال المشعوذ وقد بلغ ما أمل، فأصبح مطلوبا، وزاد في أهمية نجاحه استسلام الملك إليه، استسلاما كان فوق ما أمل وانتظر، فلا غرو إذا أظهر التواضع والخضوع والتذلل، وأبدى كثيرا من اهتمام من يفاجأ بالمشكلة، فلا يستطيع أن يرتجل طريقة حلها؛ فيطرق متأملا مفكرا، يثبت نظره في الأرض حينا، ويغمض عينيه إغماضة تامة، أو نصفها حينا آخر؛ حتى تتقد القريحة فترسل شعاعا من نور نورها يضيء له الطريق ليجد الحل الملائم.
أتقن مشعوذنا تمثيل دوره هذا، وقد سبق وهيأ في نفسه كل شيء قبل أن اجتمع بالملك، وقبل أن فاز باستسلامه، فلا حاجة به للتفكير ولا للإطراق، ولكن الشعوذة فن كله تغطية، وكله تدليس وتلبيس، وكله تصنع وافتعال. أطرق الساحر طويلا وإنه ليطيل زمن إطراقه مسترقا النظر إلى وجه الملك؛ حتى إذا ما ظهرت على هذا الوجه أمارات نفاد الصبر تشوقا إلى استماع درر الحكم، وإلى التأمل فيما ينبثق عن ذلك العقل العبقري في صفاء تفكيره من نصائح وتعاليم وإرشاد، تحرك برأسه وبأعلى جزعه حركات خفيفة، رفع على إثرها رأسه، وعيناه ذابلتان كمن يستفيق من نوم عميق أرهقه بأحلامه، فتنهد ثم التفت إلى الملك وقال: يا صاحب الجلالة، أتسمح لعبدك الذليل الحقير أن يكون صريحا في حديثه وعليه الأمان؟ فاضطرب الملك وقدر لهذا الحديث أهمية عظيمة، وقال له: أنت أمين مهما كان في قولك من تجاوز. - أنحن في نجوة من آذان الناس وأعينهم حتى من أقرب المقربين؟
ما سمع الملك همسه هذا حتى أصدر أوامره بأن توصد أبواب القاعة، وألا يؤذن لأحد بالاقتراب منها مهما كان شأنه.
أظهر الساحر ارتياحه لاهتمام الملك بحديثه، فعدل جلسته وأخذ يحدد نظراته في وجه صاحب الجلالة، ويثبتها بعد أن كانت تائهة مضطربة حائرة، وما لبث أن أصبح في وضع أشبه ما يكون بمن يتحفز للاقتناص، وقد كان هدفه في الحقيقة اقتناص قلب الملك وعقله، ثم أخذ يهدر متمتما مهمهما مدمدما، كالغضب الخائف الذي يتردد بين الإقدام والإحجام؛ ليوهم مراقب أوضاعه أن الأمر خطير، وما شعر بأنه لم يبق في صدر الملك للصبر مجال - وهو الوضع الذي يستدرج إليه المشعوذ فريسته؛ لتصبح في أقصى حدود الاستعداد لقبول ما يقول وما يطلب - حتى أنهى همهماته ودمدماته بقوله: لن يبلغوا مقاصدهم الخبيثة، الله موجود، وهو الإله الحق الذي يكلأ العادلين، ويحفظهم من الأشرار، يا ملك الزمان! إن الله قد منحك العقل والحكمة، وأنعم عليك بأعظم ما ينعم به على الملوك، إذ تطيب نفسك بإقامة العدل بين الناس، ولكن بطانة السوء وأشرار المشيرين سيعود كيدهم إلى نحرهم، لم يرد بك ولا بالمملكة خيرا من أشار بالتجسس على الناس، وإذا أحب الناس العدل فإنما يحبونه لما يحقق من حريات، وما كانوا يرغبون في العدل لولا أنه يردع الناس عن أن يتعرض بعضهم لحرية بعض. لا شيء أثمن من الحرية على الإنسان؛ إنها هي ذاته، فلا يكون إنسانا إلا بها، والحرية يا صاحب الجلالة هي ميزان العدل، فكل عمل يحجز على الناس حرية من حرياتهم، دون مسوغ إنساني يقضي به المجتمع في حرصه على حرية الجميع، هو ظلم تنتج عنه أوخم العواقب، ويكفي الناس أن يشعروا بأنهم مراقبون ولا سيما في أعراضهم؛ حتى يجدوا لفقد الحرية في نفوسهم لوعة من يفارقه حبيبه، وألم من تبتر أعضاؤه عضوا عضوا، ماذا أراد من أشار بإيقاع هذا الحيف بالرعية؟ أراد أن يخدم بذلك أجنبيا رشاه؟ أم أراد أن يساعد أحد الطامعين بالعرش، وقد غره بوعوده؟